Share |
هل هاجرت "بركة" وصامت؟
تم قراءة المقال : 328

كانت بركة بنت ثعلبة بن عمرو بن حصن بن مالك بن سلمة بن عمر بن النعمان الحبشية جارية عبد الله بن عبد المطلب والد الرسول - صلى الله عليه وسلم - الذي مات بالمدينة وولده جنينًا لم يمر عليه في أحشاء أمه سوى شهرين، فآلت ميراثًا إلى ابنه.

ولذا فقد صاحبت رسول الله من قبل مولده وحتى بعد أن وُلِد إلى أن توفاه الله - صلى الله عليه وسلم - فشاركته أفراحه وأحزانه، بل لم تفارقه حتى في بعض غزواته.

صاحبت بركة آمنة أم النبي -صلى الله عليه وسلم- رحلتها الأخيرة من مكة إلى المدينة بعد أن بلغ الطفل أعوامه الستة، وأدرك أن له والدًا توفى يافعًا لم يره، وكانت رحلة آمنة الأخيرة في الحياة لتبدأ بعدها رحلتها الأولى إلى الآخرة، وذلك بعد عودتهم من المدينة في منطقة الأبْوَاء بين مكة والمدينة.

ثم انتقلت مع انتقال حضانة الطفل اليتيم إلى دار جده عبد المطلب، وبعد وفاة الجد انتقلت مع الطفل اليتيم إلى دار عمه أبي طالب، دون غيره من الأعمام مع كونهم أيسر منه حالاً، وذلك لأنه كان شقيقًا لعبد الله والد الرسول - صلى الله عليه وسلم -؛ إذ أمهما فاطمة بنت عمر بن عائذ، إلى كونه القائم مقام المطلب في قريش‏. ‏

كما انتقلت معه إلى بيت الزوجية حين تزوج - صلى الله عليه وسلم - السيدة خديجة  رضي الله عنها ، ولم يرض أن تظل جاريةً له، وكيف وهو الذي يقول عنها: (( إنها أمي من بعد أمي))، فأعتقها في يوم زواجه؛ لتحس معه بالفرحة، وتكون حاضرةً بوصفها أمه بحق، وهيَّ حرة مختارة، ورأت خديجة حب زوجها لبركة فأكرمتها، بل تكفلت بتجهيزها عندما تقدم إليها عبيد بن زيد من بنى الحارث بن الخزرج، فولدت له أيمن، ثم مات عنها.

دخل الإسلام دار خديجة، فأسلمت، وأسلمت أيضًا أم أيمن - رضي الله عنهما - في أول العهد بالإسلام مع من أسلم من بيت النبي - صلى الله عليه وسلم -، فكانت من السابقين الأولين، بل ومن الذين هاجروا الهجرتين إلى الحبشة  كما يشاع  وإلى المدينة بعد ذلك.

ومن المؤكد أنها هاجرت إلى المدينة، غير أن الحافظ قال: " إنَّها لم تهاجر إلى الحبشة، ماتت في أول خلافة عثمان، وهي غير بركة أم أيمن الحبشية، التي كانت مع أم حبيبة بالحبشة؛ فبركة الحبشية التي كانت مع السيدة أم حبيبة كانت تكنى أم يوسف، وفي كون أم أيمن هاجرت إلى أرض الحبشة قولٌ فيه نظر فإنها كانت تخدم النبي - صلى الله عليه وسلم - وزوجها مولاه زيد بن حارثة والثابت أن زيد لم يهاجر إلى الحبشة ولا أحد ممن كان يخدم النبي - صلى الله عليه وسلم - إذ ذاك فظهر أن هذه الحبشية غير أم أيمن وإن وافقتها في الاسم، قال الأبي في السيرة الحلبية: والمعروف أن الحبشية إنما هي بركة أخرى جارية أم حبيبة، قدمت معها من الحبشة، وكانت تكنى أم يوسف، كانت تخدم النبي أي وهي التي شربت بوله" (1).

ولم يذكر أحد من العلماء أن بركة أم أيمن خادمة النبي - صلى الله عليه وسلم - هاجرت إلى الحبشة سوى ابن عبد البر وتبعه في ذلك ابن الأثير، والقول في ذلك مع ابن حجر(2).

وهذا ما يؤكده عبد الرحمن كيلاني(3) في رده على الكاتب الإسرائيلي أرليتش هاغاي الذي تناول حدث هجرة المسلمين إلى الحبشة في كتابه: "أثيوبيا والشرق الأوسط"، فقال كيلاني: " لقد احتوى الفصل الأول من كتاب إرليتش عدة أخطاء دينية وتاريخية  ولا عجب!! فعلى سبيل المثال يدعي المؤلف أن أم أيمن - رضي الله عنها - وقد كانت أمة حبشية أعتقها النبي - صلى الله عليه وسلم -، كانت من ضمن الذين هاجروا إلى الحبشة في الدفعة الأولى، ولم يأت المؤلف بدليل على زعمه هذا. ومحمد بن إسحاق وغيره لم يدرجوها بين أسماء الذين هاجروا إلى الحبشة".

والمعلوم أن الذين هاجروا إلى الحبشة كانوا من القرشيين، ولن يجد من يستقصي أسماء من هاجروا من الصحابة اسم أحد من الموالي مع أنهم كانوا أصحاب الحظ الأوفر من التنكيل والتعذيب أكثر مما نال غيرهم ممن هم من أصحاب المنعة والنسب والمكانة في قريش.

بعد عرض ما تقدم نخلص إلى أن أم أيمن لازمت الرسول - صلى الله عليه وسلم - طيلة حياته، ولم تفارقه إلا حين سبق - صلى الله عليه وسلم - بناته وزوجته سودة بنت زمعة إلى المدينة مهاجرًا، وأما فراقها له بعد زواجها، فما كان ليدعها تنتقل إلى بيت الزوجية دون زيارتها، يدل على هذا ما رواه أنس بن مالك - رضي الله عنه -، فيقول: "ذهبت مع النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى أم أيمن نزورها، فقربتْ له طعامًا أو شرابًا فإما كان صائمًا وإما لم يرده فجعلت تخاصمه أي كُلْ" (رواه مسلم)، وفي رواية: " فأقبلت تضاحكه وكان الرسول - صلى الله عليه وسلم - يبتسم لتصرفاتها ويهش لها".

حتى بعد زواجه من السيدة عائشة لم ينقطع عنها، ولم تنقطع عنه - صلى الله عليه وسلم -، وذلك فيما روته السيدة عائشة أم المؤمنين - رضي الله عنها -: "شرب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يومًا وأم أيمن عنده، فقالت: يا رسول الله اسقني، فقلتُ لها: ألرسول الله - صلى الله عليه وسلم - تقولين هذا؟، قالت: ما خدمته أكثر، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: ((صدقت)) فسقاها".

روى هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة قالت‏: ‏"لما هاجر رسول الله - صلى الله عليه وسلم- خلّفنا وخلف بناته، فلما استقرَّ بعث زيد بن حارثة، وبعث معه أبا رافع مولاه، وأعطاهما بعيرين وخمسمائة درهم يشتريان بها ما يحتاجان إليه من الظّهر، وبعث أبو بكر معهما عَبْد الله بن أرَيقط ببعيرين أو ثلاثة، وكتب إلى ابنه عَبْد الله بن أبي بكر أن يحمل أمي أم رومان وأنا وأختي أَسْمَاء، فخرجوا مصطحبين، وكان طلحة يريد الهجرة فسار معهم، وخرج زيد وأبو رافع بفاطِمَة وأم كُلْثُوم وسودة بِنْت زمعة، زوج النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم-، وأم أيمن، فقدمنا المدينة والنَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - يبني مسجده، وأبياتاً حول المسجد، فأنزل فيها أهله‏". ‏أخرجها الثلاثة ‏‏(4).

وأخرج الطبراني من وجه آخر عن عائشة قالت‏: "لما هاجر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأبو بكر خلفنا بمكة، فلما استقر بالمدينة بعث زيد بن حارثة وأبا رافع، وبعث أبو بكر عبد الله بن أريقط وكتب إلى عبد الله بن أبي بكر أن يحمل معه أم رومان وأم أبي بكر وأنا وأختي أسماء، فخرج بنا وخرج زيد وأبو رافع بفاطمة وأم كلثوم وسودة بنت زمعة، وأخذ زيد امرأته أم أيمن وولديها أيمن وأسامة، واصطحبنا، حتى قدمنا المدينة فنزلت في عيال أبى بكر، ونزل آل النبي - صلى الله عليه وسلم -‏: ‏ عنده، وهو يومئذ يبني المسجد وبيوته، فأدخل سودة بنت زمعة أحد تلك البيوت، وكان يكون عندها، فقال له أبو بكر: ‏ما يمنعك أن تبني بأهلك ‏؟ ‏ فبنى بي" الحديث‏‏ (5).

ذكرت السيدة عائشة - رضي الله عنها - في الحديثين المتقدمين من هاجرنَّ معها أو من هاجرت معهنَّ، وفيهن أم أيمن كما جاء في الحديث الأول، وفي الحديث الثاني فصلت فألحقت بأم أيمن ولديها أيمن وأسامة، وغنىٌ عن الذكر أن زيد بن حارثة زوج أم أيمن مُرسلُ بتكليف من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بإحضار أهل بيته.. فهل يعقل أن يخالف زيدًا التكليف النبوي؟ وهل سيتخلى عن مروءته ويترك أم ابنه لتهاجر وحدها؟! وما هيَ الضرورة التي تقتضي ذلك؟

كما أن الذي يُفهَم من الحديثين، أن المهاجرات الطاهرات بدأنَّ الرحلة معًا وأنهينها معًا، أما ما ورد في حديث جرير بن حازم: حدثنا عثمان بن القاسم، قال: "لما هاجرت أم أيمن أمست بالمنصرف دون الروحاء، فعطشت وليس معها ماء وهي صائمة، وجهدت، فدلي عليها من السماء دلو من ماء برشاء أبيض، فشربت، وكانت تقول: ما أصابني بعد ذلك عطش، ولقد تعرضت للعطش بالصوم في الهواجر فما عطشتُ (6)، فيوؤل أن أم أيمن  ربما  ضلت الطريق عن الركب حال التوقف، ثم عادت وانضمت إليهم ثانية، وذلك لأنها لم تصل المدينة وحدها.

والروحاء  المشار إليها في حديث عثمان  بينها وبين المدينة مرحلتان، وفي صحيح مسلم: بينهما ستة وثلاثون ميلاً، أي ما يعادل السبعين كيلو متر(7)، وهذا ما ينفي خروجها وحدها من مكْة.

وإذا احتج أحدٌ بأن أم أيمن لم تكن وحدها التي هاجرت من مكة إلى المدينة وحدها فقد صنع نفس الصنيع كلاً من أم سلمة وأم كلثوم بنت عقبة.

قلنا: أن لكلٍ من الصحابيتين الجليلتين ضرورة مُلحة في الخروج، وهذه الضرورة منتفية تمامًا عند أم أيمن، فأم سلمة سبقها زوجها بالهجرة واحتبسها قومها وابنها عنه فأرادت اللحاق به، وأم كلثوم عزمت على الفرار بدينها خوفًا من الفتنة على دينها وقومها أهل شرك عتيد، ثم أن كلاً منهما لم تهاجرا وحدهما.. فأم سلمة لقيتْ بالتنعيم عثمان بن طلحة أخا بني عبد الدار فأخذ بخطام بعيرها، حتى أوصلها إلى قرية بني عمرو بن عوف بقباء وفيها زوجها، وأم كلثوم التقاها رجلٌ من خُزاعة من نفس المكان (التنعيم) فاطمأنت إليه لدخول (خزاعة) في عهد رسول الله- صلى الله عليه وسلم - وعَقده، فأوصلها للمدينة.

والملاحظ أن الرجلين كانا على خلقٍ قويم التزما بآداب الصحبة والنخوة والمروءة العربية رغم كفر عثمان وإيمان الخزاعي، ولم تمش كلاً من المرأتين المسافة كلها من مكة إلى المدينة؛ فالتنعيم يبعد عن مكة  بداية هجرتهما  ستة كيلو مترات، فما بالنا بامرأة معها طفليها وزوجها المكلف بإحضارها ومن يضمهن بيت النبوة.. أكان تاركها؟! ولو تركها لظروف لا نعلمها، أيتركها بلا راحلة ولا زاد؟!

وإذا أثبتنا أنها لم تهاجر، نسأل أي صوم صامته أم أيمن وهي في طريق هجرتها إلى المدينة؟.. فالثابت أن الصوم فرضه الله - عز وجل - في السنة الثانية من الهجرة، وكما قال النووي: " صام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رمضان تسع سنين؛ لأنه فرض في شعبان في السنة الثانية من الهجرة وتوفي النبي - صلى الله عليه وسلم - في شهر ربيع الأول سنة إحدى عشرة من الهجرة" (8).

قصم ظهر الصحابية الجليلة أم أيمن فقدها لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - فبكته وبكته حتى أبكت من حولها حين قالت(9):  

حين قالوا الرسول أمسى فقيدا *** ميتا كان ذاك كل البلاء

وابكيا خير من رزئناه في الدنيا *** ومن خصه بوحي السماء

بدموع غزيرة منك حتى *** يقضي الله فيك خير القضاء

عن أنس - رضي الله عنه - قال: " قال أبو بكر - رضي الله عنه- بعد وفاة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لعمر: "انطلق بنا إلى أم أيمن نزورها كما كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يزورها، فلما انتهينا إليها بكت، فقالا لها: ما يبكيك ما عند الله خير لرسوله - صلى الله عليه وسلم - فقالت: ما أبكي أن لا أكون أعلم أن ما عند الله خير لرسوله - صلى الله عليه وسلم - ولكن أبكي أن الوحي قد انقطع من السماء، فهيجتهما على البكاء فجعلا يبكيان معها"(10).

إنها (بركة) التي بارك الله في عمرها، لتنعم بالقرب من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ومعايشته بما لم تحظ به أمه التي أنجبته؛ إذ هيَّ الصحابية الوحيدة  ربما  التي حظيت بطول الصحبة به من قبل ميلاده، وطوال حياته، وحتى وفاته، فلم يفكر في أن يبعدها عنه، ولا هيَّ فضلت العيش بدونه.. كانت معه وحوله، أحبته بالقول، وأحبته بالفعل فصدقت في الاثنين.

ــــــــــــــــــــ

(1): دراسة نقدية: هجرة المسلمين إلى الحبشة، هامش ص11.

(2) الحافظ بن حجر: الإصابة فى تمييز الصحابة (7 / 37).

(3) عيسى مصبح خلف: (تعقبات الحافظ بن حجر فى كتابه الإصابة على الحافظ ابن عبد البر فى الاستيعاب، ص 104).

 (4) ابن حجر، فتح الباري شرح صحيح البخاري، كتاب مناقب الأنصار » باب هجرة النبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه إلى المدينة، المستدرك على الصحيحين [6716].

(5) ابن حجر، فتح الباري شرح صحيح البخارى بقية كِتَاب الْمَنَاقِبِ، باب تَزْوِيجِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - عَائِشَةَ وَقُدُومِهَا الْمَدِينَةَ وَبِنَائِهِ بِهَا.

(6)الإصابة 4 / 77 ودلائل النبوة (2372) حسن لغيره.

(7)صحيح البخاري » كتاب الصلاة » أبواب استقبال القبلة » باب المساجد التي على طرق المدينة والمواضع التي صلى فيها النبي - صلى الله عليه وسلم -.

(8) النووي، "المجموع" (6/250)

 (9)ابن سعد: الطبقات الكبرى (2/332).

(10) [رواه مسلم في كتاب "فضائل الصحابة"، باب فضائل أم أيمن برقم (2454)].