Share |
الإخلاص
تم قراءة المقال : 2702

الإخلاص

الحمد الله الذي أوجب لعباده توحيده، وشكرٌ له الذي وعد من وحده الجنة ويزيده من فضله، وأشهد أن لا إله إلا الله مالك الخلق وكلهم عبيده، وأشهد أن محمد عبده ورسوله، أعظم الموحدين، وقامع المشركين، وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:

فأعمال القلوب اهتم بها العلماء فصنفوا فيها المؤلفات، وابتدؤوا أعمالهم بالتذكير والحث عليها، ولذلك فإن أعمال القلوب تحتاج إلى مجاهدة وعناية، والنجاة مدارها على أعمال القلوب بالإضافة إلى أعمال الجوارح التي لابد أن تأتي صحيحة إذا صحّت أعمال القلوب، فلا يمكن أن تصح أعمال الجوارح ولا يكون هناك أعمال الجوارح إلا إذا صحت أعمال القلوب، فإذا صحت جاءت أعمال الجوارح صحيحة تبعاً لذلك.

والإخلاص هو أولها وأهمها، وأعلاها وأساسها، وهو حقيقة الدين، ومفتاح دعوة الرسل - عليهم السلام –: ((وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ ))(البينة: 5)، ((أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ))(الزمر: 3).

- والإخلاص هو لب العبادة وروحها، قال ابن حزم: النية سر العبودية، وهي من الأعمال بمنزلة الروح من الجسد، ومحال أن يكون في العبودية عمل لا روح فيه، فهو جسد خراب.

والإخلاص هو أساس قبول الأعمال وردها، فهو الذي يؤدي إلى الفوز أو الخسران، وهو الطريق إلى الجنة أو إلى النار، فإن الإخلال به يؤدي إلى النار، وتحقيقه يؤدي إلى الجنة، وسوف نتحدث عن الإخلاص في النقاط التالية:

معنى الإخلاص - من هو المخلص - أهمية الإخلاص - الإخلاص في العبادات - من عجائب المخلصين - أقوال العلماء في الإخلاص - تنبيهات في مسألة الإخلاص - الفرق بين الرياء ومطلق التشريك - علامات الإخلاص.

أما معنى الإخلاص:

خلص خلوصاً خلاصاً، أي صفى وزال عنه شوبه، وخلص الشيء صار خالصاً، وخلصت إلى الشيء وصلت إليه، وخلاص السمن ما خلص منه، فكلمة الإخلاص تدل على الصفاء والنقاء، والتنزه من الأخلاط والأوشاب، والشيء الخالص هو الصافي الذي ليس فيه شائبة مادية أو معنوية، وأخلص الدين لله قصد وجهه وترك الرياء، وقال الفيروزأبادي: أخلص لله ترك الرياء.

كلمة الإخلاص كلمة التوحيد، والمخلصون هم الموحدون والمختارون، وأما تعريف الإخلاص في الشرع فكما قال ابن القيم - رحمه الله -: هو إفراد الحق - سبحانه - بالقصد في الطاعة بأن تقصده وحده لا شريك له.

وتنوعت عبارات السلف فيه، فقيل في الإخلاص:

-  أن يكون العمل لله - تعالى- لا نصيب لغير الله فيه.

-  إفراد الحق - سبحانه - بالقصد في الطاعة.

-  تصفية العمل عن ملاحظة المخلوقين.

-  تصفية العمل من كل شائبة.

- المخلص هو الذي لا يبالي لو خرج كل قدر له في قلوب الناس من أجل صلاح قلبه مع الله - عز وجل -، ولا يحب أن يطلع الناس على مثاقيل الذر من عمله قال - تعالى-: ((وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ ))(البينة: 5)، وقال لنبيه - صلى الله عليه وسلم -: ((قل الله أعبد مخلصاً له ديني))، ((قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين لا شريك له وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين))، وقال - تعالى-: ((الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً ))(الملك: 2) أحسن عملاً أي أخلصه وأصوبه.

قيل للفضيل بن عياض الذي ذكر هذا: ما أخلصه وأصوبه؟ قال: إن العمل إذا كان خالصاً ولم يكن صواباً لم يقبل، وإن لم يكن خالصاً وكان صواباً لم يقبل، حتى يكون خالصاً صواباً، والخالص أن يكون لله، والصواب أن يكون موافقاً للسنة، ثم قرأ: ((فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً ))(الكهف: 110).

وقال - تعالى-: ((وَمَنْ أَحْسَنُ دِيناً مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ))(النساء: 125) يعني أخلص القصد والعمل لله، والإحسان متابعة السنة، والذين يريدون وجه الله فليبشروا بالجزاء ((وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ ))(الكهف: 28)، ((ذَلِكَ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ))(الروم: 38)، (( وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَى وَلَسَوْفَ يَرْضَى))(الليل).

وأما أهل النقيض وأهل الرياء فإن الله ذمهم وبيّن عاقبتهم ((مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لا يُبْخَسُونَ أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ ))(هود: 16)، ((مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلاهَا مَذْمُوماً مَدْحُوراً ))(الاسراء: 18)، ((مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ ))(الشورى: 20)، ((وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بَطَراً وَرِئَاءَ النَّاسِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَاللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ ))(الأنفال: 47).

وقد مدح الله المخلصين كما تقدم، وذكر عن أهل الجنة في الدنيا أنهم يطعمون المساكين لوجه الله قال - تعالى-: ((إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلا شُكُوراً ))(الإنسان: 9)، ((لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً ))(النساء: 114)، ((مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ))(الشورى: 20).

وقد أراد الله - تعالى- في غزوة أحد أن ينقي المسلمين بالابتلاء والتمحيص بأن يدفعوا ثمنها دماً وقتلاً وجراحاتٍ ((مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ))(آل عمران: 152)

قال - صلى الله عليه وسلم -: (إنما الأعمال بالنيات)، إنه أهم حديث علمنا إياه - صلى الله عليه وسلم - في كل شيء، في الصلاة والصيام، والحج والجهاد، والصدقة وغيرها.

قال - صلى الله عليه وسلم -: (من غزا في سبيل الله ولم ينو إلا عقالاً فله ما نوى) حسنه الألباني في صحيح النسائي، كذلك فإن بعث الناس على حسب نياتهم: (إنما يبعث الناس على نياتهم) رواه ابن ماجة وصححه الألباني.

أهمية الإخلاص:

- تكون النجاة في الآخرة بسببه.

- اجتماع القلب في الدنيا، وزوال الهم: (من كانت الآخرة همه جعل الله غناه في قلبه، وجمع له شمله، وأتته الدنيا وهي راغمة، ومن كانت الدنيا همه جعل الله فقره بين عينيه، وفرق عليه شمله، ولم يأته من الدنيا إلا ما قدر عليه)[رواه الترمذي وحسنه في السلسلة الصحيحة].

- مصدر رزق عظيم للأجر، وكسب الحسنات (إنك لن تنفق نفقة تبتغي بها وجه الله إلا أجرت عليها، حتى ما تجعل في فم امرأتك)[رواه البخاري].

- ينجي من العذاب العظيم يوم الدين، فقد أخبرنا - صلى الله عليه وسلم - عن أول خلق الله ممن تسعر بهم النار يوم القيامة، وهم: متصدق أنفق ليقال جواد، وقارئ تعلم العلم وعلمه ليقال عالم، ومجاهد قاتل ليقال جريء، وهذا الحديث قد حدث به أبو هريرة، وكان يغشى عليه من هوله كلما أراد التحديث به، فيمسح وجهه بالماء، حتى استطاع التحديث به، وفي مجال عدم الإخلاص في طلب العلم يقول - صلى الله عليه وسلم -: (من تعلم علماً مما يبتغى به وجه الله لا يتعلمه إلا ليصيب به عرض من الدنيا لم يجد عرف الجنة يوم القيامة)، وقال: (من طلب العلم ليماري به السفهاء، أو ليباهي به العلماء، أو ليصرف به وجوه الناس إليه فهو في النار).

- الإخلاص يريح الناس يوم يقول الله للمرائين: (( اذهبوا إلى الذين كنتم تراءون بأعمالكم في الدنيا فانظروا هل تجدون عندهم جزاء))[الحديث في السلسلة الصحيحة].

- الإخلاص ينجي الإنسان من حرمان الأجر ونقصانه، ولذلك فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - جاءه رجل فقال: أرأيت رجل غزى يلتمس الأجر والذكر فقال - صلى الله عليه وسلم -: لا شيء له "ثلاثاً "، ثم قال - صلى الله عليه وسلم -: (إن الله لا يقبل من العمل إلا ما كان له خالصاً وابتغي به وجهه)، وابن مكرز رجل من أهل الشام قال: يا رسول الله رجل يريد الجهاد في سبيل الله، وهو يبتغي عرضاً من عرض الدنيا؟ فقال - صلى الله عليه وسلم -: ( لا أجر له )، فأعظم ذلك الناس، فقالوا: عد لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - فلعلك لم تفهمه - والمستفتي لابد أن يفهم المفتي - فقال له: لا أجر له فأعادها ثلاثاً فقال له: لا أجر له.

إذن القاعدة عند الله (( أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملاً أشرك فيه معي غيري تركته وشركه)).

كذلك الإخلاص هو أساس أعمال القلوب، وأعمال الجوارح تبع ومكمل له، والإخلاص يعظم العمل الصغير حتى يصبح كالجبل، كما أن الرياء يحقر العمل الكبير حتى لا يزن عند الله هباء (( وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُوراً ))(الفرقان: 23).

قال ابن المبارك: "رب عمل صغير تكثره النية، ورب عمل كبير تصغره النية".

ثم إن الإخلاص مما يحمي به الإنسان نفسه من الشياطين، فهو حصن حصين لأن الشيطان نفسه قال لله لما أخذا العهد على نفسه أن يغوي عباده (( إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ ))(الحجر: 40)، إذن فالشيطان لا يستطيع على من تحصن بالإخلاص، قال معروف الكرخي يذكر نفسه:" يا نفس أخلصي تتخلصي "، وكذلك فإن الحديث في هذا الموضوع مهم لأن هذا هدي سلفنا، وقد كانوا يبتدؤن به مؤلفاتهم مثل ما بدأ البخاري - رحمه الله – بحديث: (إنما الأعمال بالنيات)، وعبد الرحمن بن مهدي قال: من أراد أن يصنف كتاب فليبدأ بهذا الحديث.

وقضية الإخلاص مهمة لأن أغلب الناس يعانون من صراعات داخلية حتى لو كانوا دعاة أو طلبة علم أو أخياراً فهم يعانون من صراعات داخلية بسبب هذه القضية، ويعانون من أشياء أذهبت بركة الأعمال، وخلطت عليهم الأمور، وحرمتهم التوفيق - إلا من رحم الله -، ثم كيف ينصر الدين إلا بجنود مخلصين، وكيف يعلم الدين إلا بطلبة علم مخلصين، وكيف ينصر الدين إلا بمجاهدين مخلصين، إذن قضية الإخلاص مهمة جداً للنجاة من الوضع الذي نعيش فيه، فالأمة الآن تعيش في تخلف وتأخر وهزيمة من تسلط عليها من الشرق والغرب لأسباب أهمها افتقاد هذا العنصر في أفراد هذه الأمة - إلا من رحم الله -، حيث صار الإخلاص عزيزاً نادراً، أو قليل، ولو أن الإخلاص كثر لرأيت حال الأمة غير ما عليه الآن، ثم أن هناك مشاريع إسلامية كبيرة تجهض، ودعوة تقوم ثم تسقط لماذا؟

لأنها تلوثت بأقذار الرياء.

هناك حركات إسلامية كبيرة وليست حركة واحدة، فيها آلاف الأشخاص؛ كلها دمرت وانهارت، وصارت أثراً بعد عين، تفرقوا شذر مذر، وضاعوا وتفرقوا في البلاد بسبب عدم وجود الإخلاص، حين صارت أعمالهم لمقاصد الدنيا من مال وجاه.

وكذلك فإن النية التي هي العمل نفسه لا تقوم إلا إذا أخلص فيه، فليت شعري كيف تصلح نية من لا يعرف حقيقة النية، وكيف يخلص إذا لم يعرف حقيقة الإخلاص، وكيف يطالب المخلص نفسه بالصدق إذا لم يتحقق معناه، فالعلماء اهتموا كثيراً بقضية الإخلاص.

يقول ابن أبي جمرة وهو من كبار العلماء: " وددت لو أنه كان من الفقهاء من ليس له شغل إلا أن يعلم الناس مقاصدهم في أعمالهم، ويقعد للتدريس في أعمال النيات ليس إلا، فإنه ما أتى على كثير من الناس إلا من تضييع ذلك ".

- ومن فوائد الإخلاص النية الصالحة أنه يقلب المباحات إلى عبادات، وينال بها عالي الدرجات، فلو أن شخصاً تطيب إقتداء بسنة الرسول - صلى الله عليه وسلم - يوم الجمعة، واحتراماً للمسجد، وعدم أذية للمسلمين والملائكة؛ فإنه يؤجر، فيا ليت هناك من ينتصب لتعليم الناس الإخلاص في أعمالهم ونياتهم قال أحد السلف:" إني لأستحب أن يكون لي في كل شيء نية حتى في أكلي ونومي ودخولي الخلاء"، وكل ذلك مما يمكن أن يقصد به التقرب إلى الله، لأن كل ما هو سبب لبقاء البدن، وفراغ القلب للمهمات؛ مطلوب شرعاً.

والنية عند الفقهاء: تمييز العبادات عن العادات، وتمييز العبادات عن بعضها البعض، والمقصود هنا هو إرادة وجه الله - عز وجل -.

- والإخلاص ينقي القلب من الحقد والغل، ويسبب قبول العمل لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (إن الله لا يقبل من العمل إلا ما كان له خالصاً، وابتغي به وجهه).

- والإخلاص سبب للمغفرة الكبيرة للذنوب.

يقول شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله -: " والنوع الواحد من العمل قد يفعله الإنسان على وجه يكمل فيه إخلاصه فيغفر الله فيه كبائر كحديث البطاقة، وإلا فأهل الكبائر كلهم يقولون: لا إله إلا الله، لكن هذا الإنسان لما قال " لا إله إلا الله " كان عنده إخلاص كبير جداً جداً جعله يحرق كل هذه الكبائر، فرجحت كفة هذه البطاقة، وكالبغي التي سقت كلباً فقد حضر في قلبها من الإخلاص ما لا يعلمه إلا الله، فغفر الله لها، وأيضاً في المباحات فمن لا يأكل، ولا يدخل الخلاء، ولا يقضي حوائج أهله، ولا يتزين، ولا يلبس الملابس؛ إلا مع الإخلاص يحصل بها الأجر العظيم.

- تنفيس الكروب لا يحدث إلا بالإخلاص، والدليل على ذلك حديث الثلاثة الذين حبستهم صخرة ففرج الله همّهم، وكان منهم الرجل الذي وفى عاملاً أجره، ونماه وصبر على ذلك سنين، وهذا أعظمهم أجراً لأن الآخر صبر ليلة، والثاني صبر في موقف، بينما هذا صبر سنين، وجاء صاحب المال فأخذه ولم يعطيه شيئاً، وقد كان يقول كل واحد منهم: اللهم إنك إن كنت تعلم أننا فعلنا ذلك ابتغاء وجهك ففرج عنا ما نحن فيه.

- وبالإخلاص يرزق الناس الحكمة، ويوفقون للصواب والحق (( إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَاناً ))(لأنفال: 29)، وبالإخلاص يدرك الأجر على عمله وإن عجز عنه، بل ويصل لمنازل الشهداء والمجاهدين وإن مات على فراشه (( وَلا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَناً أَلّا يَجِدُوا مَا يُنْفِقُونَ ))(التوبة: 92) فقد كانوا يريدون الجهاد ولكن ليس معهم من المال شيء فقال - صلى الله عليه وسلم -: (إن أقواماً خلفنا في المدينة ما سلكنا شعباً ولا وادياً إلا وهم معنا حبسهم العذر)رواه البخاري، وفي مسلم: ( إلا شاركوكم في الأجر ).

- بالإخلاص يؤجر المرء ولو أخطأ كالمجتهد والعالم والفقيه، وهو نوى بالاجتهاد استفراغ الوسع، وإصابة الحق لأجل الله، فلو لم يصب فهو مأجور على ذلك.

فالمرء ينجو من الفتن بالإخلاص، ويجعل له حرز من الشهوات ومن الوقوع في براثن أهل الفسق والفجور، لذلك نجى الله يوسف - عليه السلام - من امرأة العزيز ((وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلا أَنْ رَأى بُرْهَانَ رَبِّهِ كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ ))(يوسف: 24) (( إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ أُولَئِكَ لَهُمْ رِزْقٌ مَعْلُومٌ فَوَاكِهُ وَهُمْ مُكْرَمُون فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ ))(الصافات)، وتُضاعف الحسنات إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة، ويثبت الله المخلصين، فحري بنا أن نخلص إذا كان هذا للمخلصين.

وهناك مجالات كثيرة للإخلاص:

الإخلاص في التوحيد قال - صلى الله عليه وسلم -: (ما قال عبد: لا إله إلا الله قط مخلصاً إلا فتحت له أبواب السماء حتى تفضي إلى العرش ما اجتنب الكبائر).

في السجود قال - صلى الله عليه وسلم -: (ما من عبد يسجد لله سجدة إلا رفعه الله بها درجة، وحط بها عنه خطيئة).

في الصيام قال - صلى الله عليه وسلم -: (من صام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه)، وحتى لو كان ليس في رمضان (من صام يوماً في سبيل الله باعد الله وجهه عن النار سبعين خريفاً).

في قيام الليل قال - صلى الله عليه وسلم -: (من قام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه).

الإخلاص في ترك الحرام، والمحبة في الله، والصدقة لحديث السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله.

الإخلاص في الخروج إلى المساجد (وذلك أنه إذا توضأ فأحسن الوضوء، ثم خرج إلى المسجد لا يخرجه إلا الصلاة لم يخط خطوة إلا رفع له بها درجة، وحط عنه بها خطيئة، فإذا صلى لم تزل الملائكة تصلي عليه ما دام في مصلاه: اللهم صل عليه، اللهم ارحمه، ولا يزال في صلاة ما انتظر الصلاة ).

الإخلاص في طلب الشهادة: (من سأل الله الشهادة بصدق بلغه الله منازل الشهداء وإن مات على فراشه).

الإخلاص في اتباع الجنائز: (من اتبع جنازة مسلم إيماناً واحتساباً، وكان معه حتى يصلى عليها، ويفرغ من دفنها؛ فإنه يرجع من الأجر بقيراطين كل قيراط مثل أحد، ومن صلى ثم رجع قبل أن يدفن فإنه يرجع بقيراط).

الإخلاص في التوبة: (قصة قاتل المائة نفس وملائكة الرحمة).

والإنسان يحتاج أن يبين لنفسه أحياناً بالكلام أشياء مما ينويها حتى يزداد أجره، كرجل ليس لديه مال فيقول: لو كان لي مثل هذا عملت مثلما يعمل قال - صلى الله عليه وسلم -: (فهما في الأجر سواء).

لقد مر في الأمة كثير من المخلصين، وكانت سيرتهم نبراساً لمن بعدهم، وقدوة وخيراً، لذلك أبقى الله سيرتهم وذكرهم حتى يقتدي بهم من بعدهم، وعلى رأس هؤلاء الأنبياء، والنبي محمد - صلى الله عليه وسلم - هو أخلص المخلصين، وحواريو الأنبياء والصحابة الذين فتحوا البلاد بإخلاصهم، ومن بعدهم من التابعين.

يقول عبدة بن سليمان: كنا مع سرية مع عبد الله بن المبارك في بلاد الروم، فصادفنا العدو، فلما التقى الصفان خرج رجل من العدو فدعا للبراز، فخرج رجل من المسلمين فطارده ساعة فقتله، ثم آخر خرج فتحداه فقتله، ثم جاء ثالث فخرج عليه فطارده فقتله، فازدحم الناس على هذا الفارس المسلم الذي كل ما خرج عليه واحد من الكفار فتحداه فطعنه فقتله، فأحاطوا به وأزدحموا عليه ليعرفوا من هو كلهم رأوا عجباً، وكان عبدة ممن ازدحم عليه، وكان يغطي وجهه بكمه حتى لا يعرفوه – فهو مصرٌ على إخفاء شخصيته - يقول عبدة فأخذت كمه فممدته فإذا هوا عبد الله بن المبارك، فقال لائماً لهذا الذي كشف وجهه: أءنت يا أبا عمرو ممن يشنع علينا.

يقول الحسن: إن كان الرجل جمع القرآن ولما يشعر به الناس، وإن كان الرجل لينفق النفقة الكثيرة ولما يشعر الناس به، وإن كان الرجل ليصلي الصلاة الطويلة في بيته وعنده الزوار ولم يشعر الناس به، ولقد أدركت أقواماً ما كان على الأرض من عمل يقدرون أن يعملونه في السر فيكون علانية أبداً.

لقد كان المسلمون يجتهدون في الدعاء ولا يسمع لهم صوت إن كان إلا همساً بينهم وبين ربهم، وذلك أن الله - تعالى- يقول: (( ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً ))(لأعراف: 55).

يقول علي بن بكار البصري الزاهد: (لأن ألقى الشيطان أحب إلي من أن ألقى فلاناً، أخاف أن أتصنع له فأسقط من عين الله )، فقد كان السلف يخشون من قضية المجاملات، يعني أن الواحد إذا لقي أحداً من أصحابه يظهر له الكلام الطيب، وإذا ذهب إلى أهله وأولاده يريهم من التنكيل وسوء المعاملة ما الله به عليم.

قال الذهبي: يقول ابن فارس عن أبي الحسن القطان: (أصبت ببصري، وأظن أني عوقبت بكثرة كلامي أثناء الرحلة) قال الذهبي: صدق والله فإنهم كانوا مع حسن القصد، وصحة النية؛ غالباً يخافون من الكلام وإظهار المعرفة، مع أنهم كانوا مخلصين.

قال هشام الدستوائي: (والله ما أستطيع أن أقول إني ذهبت يوماً قط أطلب الحديث أريد به وجه الله - عز وجل -) لا يستطيع الواحد منهم إظهار النية، ولا تزكية نفسه، وكانوا أئمة يقتدى بهم.

يقول عمر بن الخطاب - رضي الله عنه -: (فمن خلصت نيته في الحق ولو على نفسه كفاه الله ما بينه وما بين الناس).

ومن عجائب المخلصين ما حصل لصاحب النفق لما حاصر المسلمون حصناً، واشتد عليهم رمي الأعداء، فقام أحد المسلمين، وحفر نفقاً فانتصر المسلمون، ولا يُعرَف من هو هذا الرجل، وأراد مَسْلَمَة أن يعرف الرجل ليكافأه، فلما لم يجده سأله بالله أن يأتيه، فأتاه طارق بليل وسأله شرطاً وهو: أنه إذا أخبره من هو لا يبحث عنه بعد ذلك أبداً، فعاهده وكان يقول: (اللهم احشرني مع صاحب النفق).

وعمل الخلوة كان أحب إلى السلف من عمل الجلوة.

يقول حماد بن زيد: كان أيوب ربما حدث بالحديث فيرقّ، وتدمع عيناه، فيلتفت ويمتخط ويقول: ما أشد الزكام!، فيظهر الزكام لإخفاء البكاء.

قال الحسن البصري: (إن كان الرجل ليجلس المجلس فتجيئه عبرته فيردها، فإذا خشي أن تسبقه قام وذهب وبكى في الخارج).

يقول محمد بن واسع التابعي: (إن كان الرجل ليبكي عشرين سنة وامرأته معه لا تعلم).

وللإمام الماوردي قصة في الإخلاص في تصنيف الكتب، فقد ألف المؤلفات في التفسير والفقه وغير ذلك، ولم يظهر شيء في حياته، فلما دنت وفاته قال لشخص يثق به: الكتب التي في المكان الفلاني كلها تصنيفي، وإنما إذا عاينت الموت، ووقعت في النزع فاجعل يدك في يدي، فإن قبضت عليها فاعلم أنه لم يقبل مني شيء فاعمد إليها وألقها في دجلة بالليل، وإذا بسطت يدي فاعلم أنها قبلت مني، وأني ظفرت بما أرجوه من النية الخالصة، فلما حضرته الوفاة بسط يده فأظهرت كتبه بعد ذلك.

كان علي بن الحسين يحمل الخبز بالليل على ظهره يتبع به المساكين في الظلمة - والصدقة تطفئ غضب الرب -، وكان أهل بالمدينة يعيشون لا يدرون من أين معاشهم، فلما مات عرفوا، ورأوا على ظهره آثاراً مما كان ينقله من القرب والجرب بالليل، وكان يعول 100 بيت.

تلك الأحوال والقصص أظهرها الله ليكون أصحابها أئمة (( واجعلنا للمتقين إماماً )).

وهكذا كان أحدهم يدخل في فراش زوجته فيخادعها، فينسل لقيام الليل، وهكذا صام داود بن أبي هند أربعين سنة لا يعلم به أهله، فكان يأخذ إفطاره ويتصدق به على المساكين، ويأتي على العشاء.

وهذا أعرابي كان مع النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال له: أهاجر معك، فغنموا بعد خيبر، وقسم للأعرابي وأصحابه وكان يرعى دوابهم فلما جاءوه قال للنبي - صلى الله عليه وسلم -: ما هذا الذي وصلني؟ ما على هذا اتبعتك، ولكن اتبعتك على أن أرمى إلى هاهنا - وأشار إلى حلقه بسهم - فأموت فأدخل الجنة، قال - صلى الله عليه وسلم -: (إن تصدق الله يصدقك)، فلبثوا قليلاً وهاجموا العدو، وأثاب الله الأعرابي كما طلب، فقيل: أهو هو قال - صلى الله عليه وسلم -: (صدق الله فصدقه)، فكُفِّن في جبة النبي - صلى الله عليه وسلم - ثم قدمه فصلى عليه، فكان فيما ظهر من دعاء النبي - صلى الله عليه وسلم - في الصلاة: (اللهم هذا عبدك خرج مهاجراً في سبيلك، وقتل شهيداً أنا شهيد على ذلك).

ماذا قال بعض العلماء في الإخلاص؟

قال إبراهيم بن أدهم: ما صدق الله عبداً أحب الشهرة.

قال بعضهم: ينبغي للعالم أن يتحدث بنية وحسن قصد، فإن أعجبه كلامه فليصمت، وإن أعجبه الصمت فلينطق، فإن خشي المدح فليصمت، ولا يفتر عن محاسبة نفسه فإنها تحب الظهور والثناء.

سُئِل سهل بن عبد الله التستري: أي شيء أشد على النفس؟ قال: " الإخلاص لأنه ليس لها فيه نصيب" فمع الإخلاص تنسى حظوظ النفس.

قال سفيان: " ما عالجت شيئاً أشد عليّ من نيتي فإنها تنقلب علي"، إذا أراد أن يجاهد نفسه يجد تقلبات، ولا يدري أهو في إخلاص أم رياء، وهذا طبيعي أن يشعر أنه في صراع لا تسلم له نفسه دائماً، فهو يتعرض لهجمات من الشيطان، والنفس الأمارة بالسوء، وهذا فيه خير، أما من اطمأنت نفسه بحاله فهذه هي المشكلة.

قال ابن يحيى بن أبي كثير: تعلموا النية فإنها أبلغ من العمل.

قال الزبيد اليامي: إني أحب أن تكون لي نية في كل شيء حتى في الطعام والشراب.

عن داود الطائي: رأيت الخير كله إنما يجمعه حسن النية وكفاك به خيراً وإن لم تنصب، أي حتى وإن لم تتعب فإن ما حصلته من اجتماع نفسك لله، وإخراج حظوظ النفس من قلبك؛ هذا أمر عظيم.

وأبو بكر الصديق - رضي الله عنه - ما سبق الناس بكثرة صلاة وصيام بل بشيء وقر في قلبه.

قال داود: البر همة التقي، ولو تعلقت جميع جوارحه بحب الدنيا لردته يوماً نيته إلى أصلها.

قال يوسف بن أسباط: تخليص النية من فسادها أشد على العاملين من طول الاجتهاد.

قيل لنافع بن جبير: ألا تشهد الجنازة فقال: "كما أنت حتى أنوي" أي انتظر حتى أجاهد نفسي.

قال الفضيل: إنما يريد الله - عز وجل - منك نيتك وإرادتك.

ومن أصلح الله سريرته أصلح الله علانيته، ومن أصلح ما بينه وما بين الله أصلح الله ما بينه وبين الناس، وما أسر أحد سريرة إلا أظهرها الله في صفحات وجهه، وفلتات لسانه.

والمخلص من يكتم حسناته كما يكتم سيئاته، ومن شاهد في إخلاصه الإخلاص فإن إخلاصه يحتاج إلى إخلاص.

ومما قيل في الإخلاص:

نسيان رؤية الخلق بدوام النظر إلى الخالق.

إفراد الحق - سبحانه - بالقصد والطاعة.

استواء عمل الظاهر والباطن.

من تزين للناس فيما ليس منه سقط من عين الله.

إنه سر بين الله والعبد، لا يعلمه ملك فيكتبه، ولا شيطان فيفسده، والله قد يعلم الملائكة ما يشاء من أحوال العبد.

الإخلاص أن لا تطلب على عملك شاهداً إلا الله، وإذا داوم عليه الإنسان رزقه الله الحكمة.

قال مكحول: ما أخلص عبد قط أربعين يوماً إلا ظهرت ينابيع الحكمة من قلبه على لسانه.

قال أبو سليمان الداراني: إذا أخلص العبد انقطع عنه كثرة الوساوس والرياء.

كان السلف يستحبون أن يكون للرجل خبيئة من عمل صالح لا يعلم عنها زوجة ولا غيرها، وأعز شيء في الدنيا الإخلاص.

يقول يوسف بن الحسين: كم أجتهد في إسقاط الرياء من قلبي فينبت لي على لون آخر.

وكان من دعاء مطرف بن عبد الله: اللهم إني أستغفرك مما تبت إليك منه ثم عدت فيه، وأستغفرك مما جعلته لك على نفسي ثم لم أفِ لك به، وأستغفرك مما زعمت أنني أردت به وجهك فخالط قلبي منه ما قد علمته.

تنبيهات في مسألة الإخلاص:

- متى يكون إظهار العمل مشروعاً؟

قال ابن قدامة: فصل في بيان الرخصة في قصد إظهار الطاعات قال: وفي الإظهار فائدة الإقتداء، ومن الأعمال ما لا يمكن الإسرار به كالحج والجهاد، والمظهر للعمل ينبغي أن يراقب قلبه حتى لا يكون فيه حب الرياء الخفي، بل ينوي الإقتداء به - إذاً ينبغي أن نحسن نياتنا في الأعمال المظهرة لندفع الرياء، وننوي الإقتداء لنأخذ الأجر -، قال: ولا ينبغي للضعيف أن يخدع نفسه بذلك، ومثل الذي يظهره وهو ضعيف كمثل إنسان سباحته ضعيفة فنظر إلى جماعة من الغرقى فرحمهم، فأقبل إليهم، فتشبثوا به وغرقوا جميعاً.

والمسألة فيها تفصيل:

-  فالأعمال التي من السنة أن يكون عملها سرّاً يسرّها.

-  والأعمال التي من السنة أن يظهرها يظهرها.

-  والأعمال التي من الممكن أن يسرها أو يظهرها فإن كان قوياً يتحمل مدح الناس وذمهم فإنه يظهرها، وإن كان لا يقوى فيخفيها، فإذا قويت نفسه فلا بأس في الإظهار لأن الترغيب في الإظهار خير.

ورد عن بعض السلف أنهم كانوا يظهرون بعض أعمالهم الشريفة ليقتدى بهم، كما قال بعضهم لأهله حين الاحتضار (لا تبكوا علي فإني ما لفظت سيئة منذ أسلمت).

قال أبو بكر بن عياش لولده: (يا بني إياك أن تعصي الله في هذه الغرفة فإني ختمت القرآن فيها اثنتا عشرة ألف ختمة) من أجل موعظة الولد، فمن الممكن أن يظهر المرء أشياء لأناس معينين مع بقاء الإخلاص في عمله لقصد صالح.

- ترك العمل خوف الرياء:

وهذا منزلق كشفه الفضيل بن عياض: ترك العمل لأجل الناس رياء، والعمل من أجل الناس شرك، والإخلاص أن يعافيك الله منهما، قال النووي: من عزم على عبادة وتركها مخافة أن يراه الناس فهو مرائي" لأنه ترك لأجل الناس" لكن لو ترك العمل ليفعله في الخفاء؟ فمن ترك العمل بالكلية وقع في الرياء، وكذلك من كان يستحب في حقه إظهار العمل فليظهره، كأن يكون عاملاً يقتدى به، أو أن العمل الذي يعمله المشروع فيه الإظهار.

- أن من دعا إلى كتم جميع الأعمال الصالحة من جميع الناس فهذا إنسان خبيث، وقصده إماتة الإسلام:

لذلك فإن المنافقين إذا رؤوا أمر خير وسموه بالرياء، وهدفهم تخريب نوايا المسلمين، وأن لا يظهر في المجتمع عمل صالح، فهؤلاء ينكرون على أهل الدين والخير إذا رؤوا أمراً مشروعاً مظهراً خصوصاً إذا أظهر عمل خير معرض للأذى، فيظهره احتسابا لإظهار الخير، فيستهدفه هؤلاء المنافقون، فالواجب الصبر على إظهاره ما دام لله، قال - تعالى-: ((الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ ))(التوبة: 79).

- ينبغي أن نفرق بين الرياء ومطلق التشريك في العمل، فمتى يبطل العمل إذا حصل تشريك فيه؟ ومتى يأثم؟ ومتى لا يأثم؟

1- أن يعمل لله ولا يلتفت إلى شيء آخر (أعلى المراتب).

2- أن يعمل لله ويلتفت إلى أمر يجوز الالتفات إليه، مثل رجل صام مع نية الصيام لله وأراد حفظ صحته، ورجل نوى الحج والتجارة، ورجل جاهد ونظر إلى مغانم، ورجل مشى إلى المسجد وقصد الرياضة، ورجل حضر الجماعة لإثبات عدالته وأن لا يتهم، فهذا لا يبطل الأعمال ولكن ينقص من أجرها، والأفضل أن لا تكون موجودة ولا مشركة في العمل، ولا داخلة فيه أصلاً.

3- أن يلتفت إلى أمر لا يجوز الالتفات إليه من الرياء والسمعة، وحمد الناس طلباً للثناء، ونحو ذلك:

فإن كان في أصل العمل فإنه يبطله، كأن يصلي الرجل لأجل الناس.

وإن عرض له خاطر الرياء أثناء العمل فدافعه وجاهده فعمله صحيح، وله أجر على جهاده.

وإن طرأ عليه الرياء أثناء العمل ولم يدافعه بل استمر معه فهذا يبطل عمله.

4- أن يكون عمله الصالح للدنيا فقط، فيصوم لأجل الحمية والريجيم ولا يطلب الأجر، ويحج للتجارة فقط، ويخرج زكاة أموال لتنمو، ويخرج للجهاد للغنيمة، فهؤلاء أعمالهم باطلة ((مَّن كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاء لِمَن نُّرِيدُ ثُمّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلاهَا مَذْمُوماً مَّدْحُوراً ))(الإسراء: 18)، (( أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا ))(هود: 16).

5- أن يكون عمله رياءً محضاً، وبالرياء يحبط العمل بل ويأثم به الإنسان، لأن هناك أشياء تبطل العمل ولا يأثم صاحبها كخروج ريح أثناء الصلاة، ومن الناس من يرائي في الفتوى للأغنياء والوجهاء وقد يكون لضعفه أمامهم، قال بعض السلف: (إذا رأيت العالم على أبواب الغنى والسلطان فاعلم أنه لص)، أما الذي يذهب لقصد الإنكار والخير فله ما نوى.

وهناك أشياء تظن من الرياء وليست منه:

-  إذا حمدك الناس على الخير بدون قصد فهذا عاجل بشرى المؤمنين.

-  رجل رأى العابدين فنشط للعبادة لرؤيته من هو أنشط منه.

-  تحسين وتجميل الثياب والنعل، وطيب المظهر والرائحة.

-  كتم الذنوب وعدم التحدث بها، فبعض الناس يظن أنك حتى تكون مخلصاً لابد من الإخبار بالذنوب، نحن مطالبون شرعاً بالستر، وكتم الذنوب ليس رياءً بل هو مما يحبّه الله، بل إن ظن غير ذلك تلبيس من الشيطان، وإشاعة للفاحشة، وفضح للنفس.

-  اكتساب شهرة بغير طلبها، كعالم اشتهر وقصده منفعة الناس، وبيان الحق، ومحاربة الباطل، والرد على الشبهات، ونشر دين الله، فإن كانت هذه الأعمال وجاءت الشهرة تبعاً لها وليست مقصداً أصلياً فليس من الرياء.

-   ليس من الرياء أن يشتهر المرء، ولكن الشهرة يمكن أن توقع في الرياء!!

علامات الإخلاص:

- الحماس للعمل للدين.

- أن يكون عمل السر أكبر من عمل العلانية.

- المبادرة للعمل، واحتساب الأجر.

- الصبر والتحمل، وعدم التشكي.

- الحرص على إخفاء العمل.

- إتقان العمل في السر.

- الإكثار من العمل في السر.

http://www.islamicaudiovideo.com                      المصدر:

بهنسي السعيد
مصر
10 ربيع الأول 1434
جزى الله من كتب ومننشر خيرا
0
0