Share |
مصدر تلقي العقيدة عند السلف الصالح
تم قراءة المقال : 673

مصدر تلقي العقيدة عند السلف الصالح

المقدمة (1)

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد ألا اله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ.

يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاء وَاتَّقُواْ اللّهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً.

أما بعد:

تعلمون جميعاً أن مسالة الإيمان والحكم به على الناس ودخول الناس في هذا الإسلام مسألة أصلية في حياة البشر.

وكيف لا تكون والله- تبارك وتعالى -يقول في كتابه العزيز: وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ56 مَا أُرِيدُ مِنْهُم مِّن رِّزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَن يُطْعِمُونِ57 إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ58.

فالله - سبحانه وتعالى - خلق الخلق لعبادته وحده لا شريك له، ولأجل هذا، ولأجل أن تقوم الحجة على العباد، أرسل الرسل وأنزل الكتب وأوضح للناس المحجة، حتى ترك رسل الله عليهم الصلاة والسلام وعلى رأسهم هذا الخاتم محمد بن عبد الله - صلى الله عليه وسلم - أممهم على مثل البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك.

أيها الإخوة: لما كان الأمر كذلك كانت مسألة العقيدة والاعتصام بها وسلوك منهج السلف الصالح - رحمهم الله - تعالى - ليست مسألة اجتهادية يأخذ بها من شاء ويتركها من شاء، وإنما هي مسألة عقيدة توجه حياة الإنسان في هذه الدنيا وتحدد موقفه يوم القيامة حينما يقدم على ربه تبارك وتعالى.

والرسول - صلى الله عليه وسلم - أخبر أن أمته ستفترق على ثلاث وسبعين فرقة (كلها في النار إلا واحدة) ثم بين - عليه الصلاة والسلام - أن هذه الواحدة هي (الجماعة) وأنها (من كان على مثل ما عليه الرسول - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه) ولما كانت هذه القضية قضية الاعتقاد على منهج السلف الصالح - رحمهم الله - تعالى -ويدخل فيها منهج الاستدلال الشرعي قضية مهمة وجب أن يبحث عنها كل مسلم ووجب أن يعلم ويدرس معالم هذا المنهج.

ونظرا لتشعب الموضوع وكثرة مسائله فسنعرض للموضوع من خلال المباحث التالية:

المبحث الأول: مقدمات مهمة لا بد منها.

المبحث الثاني: منهج السلف - رحمهم الله - في مصدر التلقي.

المبحث الثالث: منهج السلف في الاستدلال الشرعي.

المبحث الأول: مقدمات مهمة لابد منها:

هذه المقدمات لا بد منها لشرح بعض القضايا المتعلقة بمنهج السلف.

وأهمها:

أولا: ما اشتهر عند كثير من أهل الكلام وممن ينتسب إلى الإسلام من أهل الفلسفة وغيرهم من تقسيم الدين إلى أصول وفروع فيقولون هذا أصل من أصول الدين وهذا فرع من فروع الدين، فيجعلون مسائل الاعتقاد من أصول الدين ومسائل الأحكام الشرعية الفرعية من فروع الدين، ثم يرتبون على هذا عدة ترتيبات، فمثلا يقولون: إن الخطأ في مسائل الأصول قد يوصل صاحبه إلى الكفر لكن الخطأ في مسائل الفروع لا يوصله إلى الكفر وإنما يبقى خطأ اجتهادياً.

وأيضا من ناحية الإثبات فإنهم قد يثبتون الفروع بأخبار الآحاد، ولكن الأصول يرفضون أن يثبتوها بأحاديث الرسول - صلى الله عليه وسلم - ويقتصرون في إثباتها على المتواتر أو على أدلة العقول كما هو منهجهم.

وهؤلاء الذين قسموا الدين إلى أصول وفروع خلطوا خلطاً عجيباً في هذا الباب ولا شك أن هذا التقسيم حادث ولم يكن موجوداً على عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه ولا على عهد القرون المفضلة من السلف - رحمهم الله - تعالى - لأنهم يجعلون كل قضية خبرية تتعلق بالإيمان بالله أو بالرسول - صلى الله عليه وسلم - أو باليوم الأخر أو نحو ذلك من أصول الدين، وكل قضية تتعلق بأحكام الفروع ولو كانت الصلاة أو الزكاة أو الحج أو الصيام من فروع الدين ومن ثم جعلوا الأمور الأولى أمورا مهمة والأمور الأخرى أمورا فرعية ليست ذات أهمية.

والحق أن هذا التقسيم خطأ كبير جداً؛ لأن الدين الذي فسره الرسول - صلى الله عليه وسلم - لما جاءه جبريل وقال: "هذا جبريل أتاكم يعلمكم دينكم " شامل للإسلام بأركانه الخمسة وشامل للإيمان بأركانه الستة كما أنه أيضا شامل للإحسان وهو المرتبة العليا من الدين " أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك " ومن ثم فإن مسألة الصلاة مثلا هم يقولون عنها إنها من فروع الدين وهي بلا شك من أصول الدين. لأن إقرار واعتراف المؤمن بها أصل من أصول الدين ومن جحدها فهو كافر بإجماع العلماء وكذلك أيضا الزكاة وكذلك أيضا تحريم الربا وتحريم شرب الخمر وتحريم الزنى وغير ذلك هذه كلها أمور معلومة من الدين بالضرورة فهي من أصوله، فمن جاء ليجحدها ويقول: إن الله لم يحرم الربا أو إن الله لم يحرم الخمر أو إن الله لم يوجب الصلاة أو الزكاة فهو خارج عن دائرة الإسلام فكيف يأتي قائل بعد ذلك ليقول: إن هذه من فروع الدين وليست من أصوله.

ثانيا: وعلى ضوء هذا فعندما نقول منهج السلف - رحمهم الله - تعالى - في الاعتقاد فإننا لا نعني بذلك قضايا الاعتقاد الخاصة التي يتحدث عنها بعض الناس، وإنما يشمل جميع أصول الدين، ومن ثم فإن التقسيم الصحيح لهذه المسائل إنما هو بتقسيمها إلى قسمين خبر وطلب:

الأول: الخبر إما عن الله أو عن الرسول - صلى الله عليه وسلم - أو خبر عن اليوم الآخِر أو غيره من الأخبار فهذه كلها تسمى أخبار.

الثاني: هو الطلب وهذا الطلب هو المشتمل على الأوامر والنواهي، ما أمرنا الله - سبحانه وتعالى - به من الصلاة والزكاة والحج، وما نهانا الله - سبحانه وتعالى - عنه من أكل الربا والخمر وغير ذلك.

وهذا هو التقسيم المناسب الصحيح لهذا الدين، وكلٌّ من الخبر والطلب فيه ما هو أصول وفيه ما هو فروع.

ثالثا: إن المتتبع لأصول الناس جميعاً يجدهم ينقسمون إلى قسمين لا ثالث لهم:

القسم الأول: هم المتبعون للرسول - صلى الله عليه وسلم - على منهج الحق ظاهراً وباطناً.

القسم الثاني: هم المخالفون لذلك المعترضون على حكم الله وأمره وعلى حكم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وشرعه وهؤلاء المعترضون ثلاث طوائف:

الطائفة الأولى: الذين يعترضون بالشبه الباطلة والتي يسمونها قواطع عقلية وليست قواطع عقلية وإنما هي خيالات، كالذين ينكرون أسماء الله وصفاته أو عموم قدرته - سبحانه وتعالى - أو غير ذلك بأدلة باطلة. وهذه هي الطائفة الأولى من المتفلسفة وأهل الكلام وغيرهم.

الطائفة الثانية: هم الذين يعترضون على شرعه وأمره وهؤلاء ثلاثة أقسام:

القسم الأول منهم: هم الذين يعترضون بآرائهم وأقيستهم المتضمنة تحليل ما حرم الله أو تحريم ما أباحه الله - سبحانه وتعالى - أو إسقاط ما أوجبه وإيحاب ما أسقطه...إلخ.

وهؤلاء هم أصحاب الأقيسة العقلية الفاسدة الذين أرادوا أن يقيسوا بها دين الله - سبحانه وتعالى -.

القسم الثاني: من هذا النوع الذين يعترضون على حقائق الإيمان وعلى حقائق الشرع بما عندهم أو ما يسمونه بالأذواق والمواجيد والخيالات وغيرها وهذا مشهور عند المتصوفة فإن هؤلاء يعتقدون أن هذه الكشوفات - وهي كشوفات باطلة- تقدم على حقائق الإيمان وعلى حقائق الشرع وقد يصل ببعضهم الأمر إلى أن يحلَّ ما حرم الله ويحرم ما أحله الله - سبحانه وتعالى - لأنه وصل إلى مرتبة الولاية وسقوط التكاليف.

القسم الثالث: من هذا النوع هم الذين يعترضون على شرع الله وأمره بالسياسات الجائرة التي يقدمونها على حكم الله - سبحانه وتعالى - وعلى حكم رسوله - صلى الله عليه وسلم -.

الطائفة الثالثة: هم الذين يعترضون على أفعال الله - سبحانه وتعالى - وعلى قدره وهؤلاء من أعظم الناس ضلالا وجهالة لأنهم يقولون بتعارض الشرع مع القدر.

فهذه الطوائف بأقسامها، كل منهم يقدم أموره التي اخترعها وجاء بها من عنده على أمر الله ورسوله.

فالطائفة الأولى: إذا تعارض عندهم العقل مع النقل قالوا نقدم العقل.

والطائفة الثانية: إذا تعارض الأثر مع القياس قدموا القياس على الأثر.

والطائفة الثالثة: إذا تعارض الذوق والوجد والكشوفات مع ظواهر الشرع قدموا أذواقهم وكشوفاتهم.

والنوع الرابع: أصحاب السياسات يقولون: إذا تعارضت السياسة والشرع تقدم السياسة وهي السياسة الجائرة والآخرون قدموا أوهامهم وضلالهم فتوهموا التعارض بين الشرع والقدر.

رابعا: إنه قد نبغت نابغة من قديم الزمان وهي موجودة إلى الآن جعلوا لهم منهجاً عقلياً وهذا المنهج العقلي كان يسمى قديماً بالسفسطة ويلتزم بها بعض أرباب الفلسفات المعاصرة وقد ينتحله كثير من أرباب الحداثة وغيرهم وهؤلاء هم الذين يقولون ليس هناك حق ثابت في نفس الأمر، بل كل من اعتقد عقيدة وكل من قال قولا فإن قوله يحتمل أن يكون حقا بل يجب أن يكون حقا حين يجزم به.

وهؤلاء هم الذين ينكرون كل ثابت ويقولون: إنه ليس هناك شيء ثابت في دين الله - سبحانه وتعالى -.

والحق عند هؤلاء مسألة نسبية وهو ما يراه كل شخص بحسبه وهذه القضية تجد كثيرا ممن يطرحها ويقول لماذا نأتي ونقول نرجع إلى مذهب خير القرون؟ ولماذا تريدون أن تعودوا بنا إلى ذلك العهد؟ الظروف تختلف والأحوال تختلف ومن ثم فإن الحقائق أيضا تختلف.

ولما كان الأمر كذلك تجد الواحد من هؤلاء يظن أن كل من انتحل نحلة أو اعتقد عقيدة فإنه يجب أن تكون هذه النحلة وهذه العقيدة محترمة، وهذا ما نشاهده لدى كثير من العلمانيين والحداثيين وغيرهم، يقول الواحد من هؤلاء: إن كل شيء تنتجه الأرض العربية فهو مقدس وهو حق ويجب أن نصدقه ولا مانع من أن يكون منهجاً لنا في مستقبل حياتنا ولو كان هذا الشيء كفراً وشركاً وإلحادا أو غير ذلك.

وهذه قضية من القضايا التي يطرحونها دائماً وباستمرار باسم التراث والوطنية والقومية وينبغي أن ينتبه لها أهل العلم والدعاة إلى الله - سبحانه وتعالى - فقضية الرجوع إلى منهج السلف الصالح - رحمهم الله - تعالى - في أبواب العقيدة والثوابت من ديننا وشريعتنا هي مسألة دين وعقيدة وليست مسألة اجتهاد ولكل مجتهد نصيب كما يزعم كثير من هؤلاء.

المبحث الثاني: منهج السلف - رحمهم الله - في مصدر التلقي:

أولا: الكتاب والسنة مصدر التلقي:

أول قضية بدهية تقف معنا في هذا الباب هي أن مصدر التلقي عند أهل السنة والجماعة هو الكتاب والسنة، فكتاب الله- تبارك وتعالى -وسنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - هما المصدران الأساسيان لهذه العقيدة ولا يجوز لأي إنسان يدعي الإسلام ويدعي أنه مؤمن بهذا الدين أن يستغني أو يتخلى عن هذين المصدرين بأي حال من الأحوال وهذه قضية دلت عليها الأدلة الكثيرة. يقول - سبحانه وتعالى - في كتابه العزيز: فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجاً مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيماًالنساء65 ويقول - سبحانه وتعالى -: هُوَ الَّذِيَ أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاء الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاء تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا وهذا دليل على أن من اعتمد على الكتاب والسنة ولم يخرج عنهما فهو الذي سلك المنهج الحق، ولا خيار لأي إنسان أن يسلك أي منهج شاء، يقول - سبحانه وتعالى -: أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاء مَن يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنكُمْ إِلاَّ خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وهذا في الذين يؤمنون ببعض الكتاب.

أما من السنة فقد ورد عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أحاديث كثيرة في هذا الباب تبين وجوب اتباع شرعه وأنه - عليه الصلاة والسلام - قد آتاه الله القرآن ومثله معه، وأنه لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى.

فمسألة الاعتصام بالكتاب والسنة هي مسألة أساسية وهما المصدر الأساسي لتلقي هذه العقيدة بأصولها وفروعها.

والسلف - رحمهم الله - تعالى - كانوا مسلّمين بهذا تسليماً تاماً.

ولما سئل الزهري - رحمه الله تعالى - عن قول النبي - صلى الله عليه وسلم - " ليس منا من شق الجيوب " ما معناه؟ قال كلمته المشهورة: (من الله العلم وعلى رسوله البلاغ وعلينا التسليم) فما جاء به كتاب الله وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم - فلا خيار لأحد أن يسلكه أو لا يسلكه، بل يجب عليه أن يسلكه. والله - سبحانه وتعالى - يقول في كتابه العزيز: وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ فالخِيَرة ليست لأحد في ما جاء به كتاب الله وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم - ومن ثم فإن هذين المصدرين الكتاب والسنة هما اللذان اعتمد عليهما السلف الصالح - رحمهم الله - تعالى - وهما اللذان يجب أن نعتمد عليهما إذا أردنا أن نعيد إلى هذه الأمة الإسلامية حقيقة مجدها وعزها الذي عاشت فيه، والله - سبحانه وتعالى - تكفل بنصر دينه إن نحن نصرناه. يقول- تبارك وتعالى -في كتابه العزيز: إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ

ويقول - تعالى -: وَكَانَ حَقّاً عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ ونصر الله - سبحانه وتعالى - إنما يتحقق إذا نصرنا دينه، ونصر دينه إنما يكون بالاعتصام بهذا الدين أي بكتاب الله وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم -.

والناس تجاه هذين المصدرين الكتاب والسنة أنواع:

النوع الأول: الذين يقبلونه ظاهرا وباطناً فيقبلون ما جاء به الكتاب ظاهراً وباطناً وهؤلاء قسمان:

أهل فقه وفهم، وأهل حفظ ورواية. وكل منهما يكمل الآخر.

النوع الثاني: الذين يردون الكتاب والسنة ظاهرا وباطنا وهؤلاء أيضا قسمان:

قسم: عرف الحق ولكنه حسدا من عند نفسه رفض الإيمان ورفض اتباع الكتاب والسنة.

والقسم الثاني: هم أتباع لهؤلاء السادة والكبراء.

النوع الثالث: هم الذين قبلوه ظاهراً وباطناً، وهؤلاء هم المنافقون الذين يعلنون أنهم مؤمنون وأنهم لا يرضون عن الكتاب والسنة بديلا ثم هم في الباطن يحاربون الكتاب والسنة ويحاربون الدعاة إلى الكتاب والسنة وَإِذَا لَقُواْ الَّذِينَ آمَنُواْ قَالُواْ آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْاْ إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُواْ إِنَّا مَعَكْمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ.

النوع الرابع: من قَبِله باطناً ورده ظاهراً وهذه قد تحدث للمستضعفين في بعض الأزمان وفي بعض الأماكن فلا يستطيع أن يظهر الإسلام بل قد يضطر إلى أن يعلن أنه ليس من أهل الإسلام! وهو في حقيقة أمره من المؤمنين الصادقين.

وهذا حدث في فترات من تاريخنا الإسلامي كما في الأندلس لما هجم النصارى على المسلمين هناك فأرغموهم على إعلان النصرانية وممارسة شعائرها فكان المسلمون هناك يظهرون النصرانية ويذهبون بأولادهم إلى الكنائس، ثم إذا رجعوا إلى بيوتهم يجلسون في الخلوات يعلمون أولادهم كتاب الله وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم - وتلك محنة جرت للأمة الإسلامية يطول وصفها. ومثله ما جرى في العصر الحديث للمسلمين فيما يسمى بالاتحاد السوفييتي.

وينبغي أن نعلم أن الاعتماد على الكتاب والسنة في هذا له معالم أساسية:

أول هذه المعالم: أن الإيمان لا يتحقق إلا بذلك.

ثانيهما: أن العقول البشرية لا يمكن أن تستقل بتحصيل المعارف فلا بد من الالتزام والاعتماد على الخبر الصادق.

والأمر الثالث: ينبغي أن يعلم أن النبي - صلى الله عليه وسلم - معصوم تمام العصمة فيما يبلغه عن ربه تبارك وتعالى.

الأمر الرابع: ينبغي أن نعلم أنه لا يمكن أن يكون بين نصوص الكتاب والسنة أي تعارض أو تناقض فلا يمكن أن يأتي نص يناقض نصا ولا يخالفه، لأن نصوص الكتاب والسنة قسمان: إما أخبار وإما أوامر ونواهٍ، فأما الأخبار فلا يمكن أن يأتي فيها نص يخالف نصا أبداً، وأما الأوامر والنواهي فهي الأحكام الشرعية التي قد يدخلها النسخ وقد تختلف فيها اجتهادات العلماء كما اختلف فيها الصحابة - رضي الله عنهم - وأرضاهم وهذا من حكمة الله تبارك وتعالى، ولا يمكن أن يصدر عن النبي - صلى الله عليه وسلم - وفي وقت واحد نصان متعارضان أبدا وإنما قد يَرِد نص في الدلالة على أمر معين أو الأمر به في وقت ثم بعد ذلك ينسخه الله أو ينسخه الرسول - صلى الله عليه وسلم - بأمر من الله تبارك وتعالى، لكن أن يكون هناك نصان متعارضان في وقت واحد فهذا لا يمكن أن يحدث أبدا.

وفي ختام الكلام على هذا المصدر أو هذين المصدرين -على الصحيح-:

أود أن أشير إلى فكرة يطرحها بعض الذين في قلوبهم مرض من العلمانيين وغيرهم، وهذه الفكرة قد تكون بدأت بوادرها الآن حيث بدؤوا يرفعون لواء الرجوع إلى الكتاب والسنة دون الرجوع إلى فهم السلف للكتاب والسنة، وهذه كلمة حق أرادوا بها باطلاً، فهم يعلمون أنه لا يمكن الهجوم على الكتاب والسنة ولا يمكن أن يكون هناك رفض تام للعقيدة ولا للكتاب ولا للسنة؛ لأن هذه ردة معلومة ولا يستطيعون أن يطرحوها فلجؤوا إلى أسلوب آخر يريدون أن يبدؤوا من خلاله بنقض شريعتنا وتحطيم عقيدتنا فجاءت هذه الفكرة تقول: ينبغي أن نرجع إلى الكتاب والسنة وأن نفهمهما من خلال واقعنا المعاصر ولا نلتفت إلى فهم السلف ولا إلى فهم العلماء السابقين وما أصّلوه من أصول ولا إلى ما قعّدوه من قواعد ومن ثمّ فنحن نرجع إلى الكتاب والسنة ونتدارس مفاهيمهما وما نتوصل إليه هو الذي نطبقه ونعمل به، وهذا معناه أن نتخلى عن كل ما سبق من تاريخنا وتراثنا في فهم الكتاب والسنة وشروحه ثم نبدأ فهما جديداً وتفسيراً وشرحا جديداً لهما، ومن هو الذي يعتمد قوله في هذا الفهم الجديد؟ كل من أراد أن يفهم الكتاب والسنة فليفهم، العالم والجاهل والمتخصص وغير المتخصص، بل والملحد الزنديق الذي لم يؤمن بكتاب الله ولا سنة رسوله - صلى الله عليه وسلم - كل هؤلاء يمكن أن يفسروا كتاب الله وأن يفسروا سنة الرسول - صلى الله عليه وسلم -.

وهذه قضية خطيرة جدّا لعل فيما يأتي إن شاء الله - تعالى -إشارة إلى بعض جوانبها.

ثانياً: الاعتماد على فهم الصحابة:

القضية الثانية المتعلقة بمصدر التلقي عند أهل السنة والجماعة هي أن الصحابة رضي الله - تعالى -عنهم هم المبلغون عن الرسول - صلى الله عليه وسلم - ومن ثم فإن فهمهم للنصوص مقدم على فهم غيرهم وهذه قضية تابعة للأولى ومرتبطة بها ارتباطا وثيقاً.

وأصحاب الرسول - صلى الله عليه وسلم - كانوا - رضي الله عنهم - وأرضاهم أحرص الناس على فهم الكتاب والسنة وعلى تطبيقه، ومن ثم فإن التطبيق العملي عقيدة وشريعة لكتاب الله ولسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم - نجده أفضل ما يكون عند هؤلاء الصحابة الكرام - رضي الله عنهم - ولقد تميز هؤلاء الصحابة بعدة ميزات لعل من أهمها:

حرصهم الشديد على الفهم عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حتى كان الواحد منهم إذا حدث عن الرسول - صلى الله عليه وسلم - يقول: " سمعته أذناي ووعاه قلبي " حين تكلم به عن الرسول - عليه الصلاة والسلام -.

كذلك أيضا كانوا يسألون رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن المسائل وعما يشكل عليهم، والنبي - عليه الصلاة والسلام - لما سأله أبو هريرة - رضي الله عنه - وأرضاه وقال: يا رسول الله من أسعد الناس بشفاعتك يوم القيامة؟ قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: " لقد ظننت يا أبا هريرة ألا يسأل عن هذا الحديث أحد أولى منك لما رأيت من حرصك على الحديث ".

وكانوا أيضا يراجعون السنة بل كانت عائشة - رضي الله عنها - وأرضاها زوج النبي - صلى الله عليه وسلم - لا تسمع عن شيء لا تعرفه إلا راجعت فيه حتى تعرفه كما ورد في صحيح البخاري.

وأنس بن مالك - رضي الله عنه - وأرضاه يقول: كنا نكون عند النبي - صلى الله عليه وسلم - فنسمع منه الحديث فإذا قمنا تذاكرناه فيما بيننا حتى نحفظه.

فالصحابة - رضي الله عنهم - وأرضاهم كانوا حريصين كل الحرص على التلقي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وعلى حسن الفهم عنه، وعلى التلقي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وعلى حسن الفهم عنه، وعلى تطبيق ما يرد إليهم وما يسمعونه سواء كان من كتاب الله أو حديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وكان الصحابة - رضي الله عنهم - وأرضاهم قد آتاهم الله حفظاً وفهماً، ودعا الرسول - صلى الله عليه وسلم - لبعضهم في ذلك بل كانوا - رضي الله عنهم - وأرضاهم يحتاطون في الحديث عن الرسول - صلى الله عليه وسلم - احتياطاً شديداً، وهذه قضية معروفة لدى علماء الحديث.

والنتيجة التي ينبغي أن نخلص منها هنا هي أن الكتاب والسنة يرتبط فهمهما وتفسيرهما في الاعتقاد وفي الفروع أول ما يرتبط بفهم السلف - رحمهم الله - تعالى - وأي انفكاك عن هذا الفهم فهو ضلال مبين؛ لأنه يفتح الباب للقرامطة والرافضة والعقلانيين والفلاسفة والمعتزلة والمتأولة وغيرهم، كما سيأتي شرح لبعض مناهج هؤلاء.

وهذه القضية - وهي قضية أن السلف - رحمهم الله - تعالى - هم الذين يجب أن يتلقى عنهم فهم النصوص- هي التي قررها علماء السلف المتقدمون منهم والمتأخرون، حتى إن الشيخ أبا حامد الغزالي وهو الذي عرف عنه التصوف وعرف عنه أيضا دخوله في علم الكلام ثم بعد ذلك رجوعه في آخر أمره إلى الحديث، هذا الرجل الذي اشتهرت كتبه -وفيها كثير من البدع- لما كان في آخر عمره رجع إلى علم الحديث ورجع إلى مذهب السلف - رحمهم الله - تعالى - وقرر أن الحق هو مذهب السلف! ثم قرر أن هذا يجب لأننا لا بد أن نسلم بعدة أصول:

أولها: أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - هو أعلم الخلق بصلاح أحوال العباد في معاشهم وفي معادهم.

والثاني: أنه - صلى الله عليه وسلم - بلغ كل ما أوحي إليه من صلاح العباد في معاشهم ومعادهم ولم يكتم من ذلك شيئا وأنه كان أحرص الخلق على صلاح الخلق وإرشادهم إلى صلاح المعاش والمعاد.

والثالث: إن أعرف الناس بمعاني كلام النبي - صلى الله عليه وسلم - وأحراهم بالوقوف على كلمته وإدراك أسراره الذين لازموه وعاينوا التنزيل وعرفوا التأويل وهم أصحابه.

الرابع: - وهذا كله من كلام الغزالي- أن الصحابة في طول عصرهم إلى آخر أعمارهم ما دعوا الخلق إلى التأويل ولو كان من الدين لأقبلوا عليه ليلاً ونهاراً ودعوا أولادهم وأهلهم إليه.

ثم يقول الغزالي: فنعلم بالقطع من هذه الأصول أن الحق ما قالوه، والصواب ما رأوه.

هذه - أيها الإخوة- نتيجة تجربة لأكبر عَلَم من أعلام الكلام وعلماء أهل التصوف يقرر بعد تجربة امتدت عشرات السنين أن مذهب السلف - رحمهم الله - تعالى - هو الحق، ولا حق إلا هو، فهل يعي ذلك أولئك العقلانيون وغيرهم الذين يريدون أن يُدخلوا في ديننا وفي شرعنا تلك المعقولات والآراء الباطلة والأقيسة العقلية الفاسدة، ويردوا بها النصوص! هل يعقلون تجارب هؤلاء؟ نرجو ذلك.

ثالثا: الإجماع:

الأمر الثالث: من أمور مصادر تلقي العقيدة هو الإجماع ومقتضاه أن ما أجمع عليه المسلمون في عصر من العصور فلا يجوز لأحد خلافه أبدا.

وقد يقول قائل: وهل المسائل التي أجمع عليها المسلمون كثيرة؟ نقول: نعم. المسائل التي أجمع عليها المسلمون كثيرة وهي مسائل واضحة ومحددة وقد ذكرها العلماء - رحمهم الله - تعالى - فما أجمع عليه العلماء فلا يجوز لأحد خلافه مهما كان؛ لأن إجماع هؤلاء العلماء إنما هو إجماع مبني على الكتاب والسنة، أي إجماع مبني على دليل فلا يجوز لأحد أن يخالفه بعد حدوث ذلك الإجماع وهذا شامل لأصول الدين وفروعه وبعض أهل الكلام حصر الإجماع في مسائل الفروع.

أما مسائل الأصول أي العقائد فيقول: إن الإجماع لا يدخله وسبب ذلك أنه يرى أن أدلة العقول يمكن أن تدخل في باب العقائد وما دام هذا ممكنا عندهم فالإجماع غير وارد.

وهذه طبعاً قضية من الخطأ بمكان، لأن الإجماع على أي أمر كان سواء كان من الأمور العقدية أو من أمور الشرع هو إجماع ولا يجوز لأحد خلافه أبدا.

وهذه المسألة وهي مسألة الإجماع مع أنها أصل كبير بحد ذاته إلا أنها تفيدنا في حسم تلك النظرية التي تقول: إنما يجب أن نرجع إلى الكتاب والسنة دون إن نرجع إلى ما قاله العلماء فماذا سيفعل هؤلاء بالإجماع أي ما أجمع عليه السلف - رحمهم الله - تعالى - هل سيقولون نتخلى عنه ونرفض ذلك الإجماع ونأتي بأفهام جديدة وآراء جديدة؟ تلك قضية واحدة فقط من القضايا الخطيرة التي تترتب على ذلك الرأي الخطير.

رابعا: موقع دلائل العقول:

القضية الرابعة والمصدر الرابع هو دلائل العقول.

وينبغي أن نعلم -أيها الإخوة- أن كثيرا من الناس ربما يفهم أن مذهب السلف - رحمهم الله - تعالى - إنما هو الرجوع إلى الكتاب والسنة عن طريق الخبر فقط وأن العقول لا مدخل لها في هذا الباب وهذا فهم خاطئ تماماً، فإن السلف - رحمهم الله - تعالى - يعتمدون على الكتاب والسنة في فهم ما يدل عليه الكتاب والسنة، ولكن لا يعني ذلك أن العقل لا مدخل له في هذا الباب.

وإنما يقولون في تأصيلهم لقضية العقل والنقل: إذا تعارض العقل والنقل ظاهراً لأنهما في الحقيقة لا يمكن أن يتعارضا فالواجب تقديم النقل على العقل لأنه اسلم وأصوب! والعقل الذي يدعي أولئك المتكلمون والفلاسفة وغيرهم أنه مصدر مستقل في باب العقائد وفي باب الإيمان والدين لم يجمع المقصود به وتعريفه ما هو؟ هل العقل هو الغريزة التي تميز الإنسان عن الحيوان؟ أم هو العلوم الضرورية التي يصدق بها الجميع؟ كالقول في أن الواحد نصف الاثنين وأن الكل أكبر من الجزء أم العقل هو العلوم النظرية التي تحصل بالنظر والاستدلال ونحوها؟ ما هو العقل عند هؤلاء؟ لقد اختلفوا اختلافاً كبيراً في تحديد العقل واختلافهم هذا أدى إلى تباين آرائهم وأقوالهم في هذا. ومن ثم كان السلف - رحمهم الله - تعالى - يجعلون للعقل دوره المناسب له فلا يرفعونه فوف منزلته ويجعلون مستقلا كما فعل أولئك المنحرفون كما أنهم لم يلغوه إلغاء تاما وإنما يضعونه في منزلته الصحيحة له.

يقول ابن قتيبة - رحمه الله تعالى - في كتابه "تأويل مختلف الحديث" مبيناً تناقض أولئك: (وقد كان يجب على ما يدعونه من معرفة القياس وإعداد آلات النظر ألا يختلفوا كما لا يختلف الحساس والمساح والمهندسون؛ لأن آلاتهم لا تدل إلا على عدد واحد وإلا على شكل واحد، فما بالهم -أي أهل الكلام والفلاسفة- أكثر الناس اختلافاً لا يجتمع إثنان من رؤسائهم على أمر واحد من الدين). وهذا يعطيك أن القول باستقلال العقل في باب هو قول يؤدي إلى الضلال والانحراف، والسلف - رحمهم الله - تعالى - يعتمدون على النقل ويقولون إنه جاء بالدلائل العقلية.

والله - سبحانه وتعالى - ضرب لنا الأمثال وأمرنا بالاعتبار بالأمم من قبلنا لأن أولئك الأمم قد جرى لهم ما جرى لما خالفوا أمر الله وأمر رسولهم - صلى الله عليه وسلم -، ونحن أيضاً إذا فعلنا مثل فعلهم وخالفنا أمر الله وأمر رسوله - صلى الله عليه وسلم - فسيجري علينا مثل ما جرى لهم.

كذلك أيضا بين الله - سبحانه وتعالى - أدلة البعث بعد الموت بأدلة عقلية وأمثلة مضروبة توضح للإنسان تمام التوضيح أن الله - سبحانه وتعالى - قادر على البعث وأنه يبعث من في القبور وأن الناس لابد أن تكون لهم رجعة يقفون فيها بين يدي ربهم تبارك وتعالى، ومثله أدلة الربوبية والألوهية وصحة النبوة وغيرها.

خامساً: الفطرة:

المصدر الأخير هو الفطرة التي فطر الله - سبحانه وتعالى - الناس عليها، فكل العباد مفطورون على الإيمان الصحيح كما قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: " كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهوّدانه أو ينصّرانه أو يمجّسانه ".

ومعنى الفطرة هنا هي: "فطرة الإسلام" فلو تُرك الصغير وفطرته لكان من المؤمنين المسلمين، أما إذا وجد من يؤثر فيه فالنبي - صلى الله عليه وسلم - أخبر أن أبويه يهوّدانه أو ينصّرانه أو يمجّسانه كما هو معروف، وهذه قضية مهمة جدا لأن الله - سبحانه وتعالى - فطر عباده على فهم الأمور بأبسط الدلائل.

والأعرابي استدل على وجود الله - سبحانه وتعالى - بدلائل الفطرة لأن الفطرة تدل على أنه هذا الكون لابد له من خالق فقال: (البعرة تدل على البعير، والأثر يدل على المسير، فأرض ذات فجاج وسماء ذات أبراج وبحار ذات أمواج، ألا يدل ذلك على الحكيم الخبير) الفطرة تدل على أن الإنسان يطلب ربه سبحان وتعالى في العلو فما احتاج الإنسان إلى ربه في أمر من أموره إلا ورفع بصره إلى السماء وتلك الفطرة هي التي فطر الله - سبحانه وتعالى - عباده عليها، بل إن الفطرة تدل على توحيد الألوهية، لأن الإنسان إذا آمن بأن الله - سبحانه وتعالى - هو الخالق وحده، وهو الرازق وحده، وهو الذي يحيي وهو الذي يميت، وإليه يرجع الأمر كله وبيده الأمر كله - سبحانه وتعالى -، إذا اعتقد ذلك فلا بد أن ينتهي به الأمر أن هذا الإله الخالق الرازق المحيي المميت هو الذي يجب أن يعبد وحده لا شريك له فلا تخضع القلوب إلا له محبة وإنابة وذلا وخوفا وخشية وتوكلا وغير ذلك من أنواع العبادة، ولا تهفو القلوب بهذه العبادات إلا لله وحده لا شريك له، فكيف يعبد أو يخاف أو يحب محبة عبادة، أو يتوكل على مخلوق لا يملك هو لنفسه نفعاً ولا ضراً.

فالفطرة تدل على ما جاء به كتاب الله وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم -، وهي العقول السليمة مؤيدة لما جاء به كتاب الله وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم - وهي والعقول السليمة مؤيدة لما جاء به كتاب الله وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم - ولا يمكن أن يأتي في الكتاب ولا في السنة شيء مخالف أو مناقض لتلك العقول الصريحة ولا تلك الفطرة السليمة.

المبحث الثالث: منهج السلف في الاستدلال:

أيها الإخوة: بعد هذا العرض السريع لمصادر التشريع لمصادر تلقي العقيدة ننتقل إلى قضية عقدية أخرى مرتبطة بها ألا وهي منهج أهل السنة والجماعة في العقيدة والاستدلال الشرعي على الأحكام الشرعية حيث يجب أن يكون مبنياً على منهج واضح. ولا يقول قائل: تلك فروع.

نقول: وإن كانت تلك فروعاً إلا أن الاستدلال عليها يجب أن يكون المسلك فيه على وفق منهج السلف الصالح - رحمهم الله - تعالى - والاستدلال الشرعي في باب الأحكام ليس فرعياً وإنما هو أصولي، فحينما تأتي قضايا تتعلق بعباداتنا أو تتعلق بأمور معاملاتنا أو تتعلق بحياتنا فكيف نستنبط حكمها الذي أوجبه الله - سبحانه وتعالى - علينا؟ لا بد من منهج شرعي مؤصل واضح ولا يجوز لأحد أن يُغيره وهذه هي مسألة وجوب التحاكم إلى كتاب الله وإلى سنة رسوله - صلى الله عليه وسلم - فالتحاكم إلى الشريعة الإسلامية ليس أمر فرعياً وإنما هو أمر أصولي، ومن ثم فحينما نقول منهج السلف الصالح - رحمهم الله - تعالى - في العقائد فإن هذا لا يعني فقط ذلك الجانب المعروف المشهور وهو ما يتعلق بالإيمان بالله وأسمائه وصفاته والإيمان برسوله - صلى الله عليه وسلم - وما جاء به، وإنما يعني أيضا أن يكون حكمهم ورجوعهم عند التنازع والاختلاف إلى كتاب الله وإلى سنة رسوله - صلى الله عليه وسلم - وهذا الذي ذكره الله - سبحانه وتعالى - في آيات عديدة يقول- تبارك وتعالى -: وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ وفي الآية الثانية: فَأُوْلَـئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ وفي الآية الثالثة: فَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ ويقول - تعالى -: فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ.

ومن المؤسف حقا أن تظهر في البلاد الإسلامية دعوات صريحة وأحياناً مبطنة تدعو إلى رفض التحاكم إلى شريعة الله - تعالى -. ففي بعض البلاد الإسلامية تطرح القضية على شكل هل تكون الشريعة هي المصدر الأساسي؟ أو تكون مصدراً من المصادر؟ وفي بعض البلاد قد لا يجرؤ هؤلاء العلمانيون وغيرهم على مثل هذا الطرح الصريح فيبحثون عن طروح أخرى مبطنة ولهم في ذلك وسائل عديدة وقد سبق أن ذكرنا وسيلة منها وهي تلك التي يزعم فيها هؤلاء أنه ينبغي الرجوع إلى الكتاب والسنة فقط! دون الرجوع إلى منهج وفهم السلف الصالح - رحمهم الله - تعالى - وهذا معناه عَود جديد على وضع جديد وتفسير جديد وربما يؤدي إلى دين جديد، ومن ذلك أيضا ما يدعيه هؤلاء من أن استنباط الأحكام الشرعية ليس مختصاً بالعلماء المجتهدين وإنما هو أمر متروك لجميع الناس أو لكل من أراد أن يفكر ويستنبط من كتاب الله ومن سنة رسوله - صلى الله عليه وسلم - فيدخل في ذلك العلماء المجتهدون ويدخل في ذلك الجهلة وأهل الأهواء ويدخل في ذلك من ليس له علم لا في كتاب الله ولا في سنة رسوله - صلى الله عليه وسلم -. وهذا مدخل خطير جداً؛ لأن معنى ذلك أن الحكم الشرعي وتطبيقه والإفتاء به لا يكون مختصا كما كان في التاريخ الإسلامي وفي الأمة الإسلامية بفئة العلماء المجتهدين، وإنما ينتقل من هؤلاء إلى غيرهم ويتحول الأمر حينذاك إلى فوضى لا نهاية لها.

وهناك أيضا طريقة أخرى لبعض هؤلاء تشبه طريقة الذين يتبعون الرخص فإن هؤلاء يقولون: كل مسألة للعلماء فيها أكثر من قول فإنه يجوز أن نأخذ بأي قول من أقوالهم! فإذا طرحت قضية من القضايا قال لك: هذه القضية قال فيها فلان كذا، وقال فيها فلان كذا، وأي رأي تأخذ به من هذه الآراء فهو قول صحيح؛ لأنه قد قال به بعض العلماء. ومعنى هذا أن يتتبع الإنسان شواذ المسائل وشواذ أقوال العلماء والأقوال المرجوحة المخالفة للدليل الصحيح وتتحول هذه القضايا وهذه المسائل إلى أصول وهذا منهج خطير جداً لأن الواجب على الإنسان أن يعتمد على القول المبني الدليل وإذا وجد عنده قولان أو عرض له قولان فإنه لا بد أن يسأل عن الدليل ويبحث عنه، ومن ثم فالواجب أن يأخذ بالقول الراجح المبني على الدليل الصحيح. وإذا كان الإنسان عامياً لا يعرف فإنه يقلد من العلماء من كان أعلم وأعرف عنده بالكتاب والسنة، أما دعوى أن يترك الأمر لكل من أراد أن يفتي وأن يقول بكل مسألة توجد في الكتب لتكون معتمدة ومطبقة فإن هذا منهج خاطئ.

والمنهج الصحيح: هو البحث عن الدليل والترجيح بين الأقوال على ضوء الأصول التي ضبطها علماء السلف - رحمهم الله - تعالى -.

والمهم أن هؤلاء العلمانيين وأذنابهم يريدون أن ينتهي الأمر إلى طرح القضايا أمام الناس طرحاً يسمونه أحيانا طرحاً ديمقراطياً، فنقول: ما رأيكم في القضية الفلانية؟ صوتوا! ثم نجمع فئام الناس مختلفي المشارب غالبهم قليل العلم أو جاهل ويصوتوا فإن صوّتَ واحد وخمسون في المائة على الرأي الآخر أخذنا به ولو كان مخالفاً للدليل ولو كان مخالفاً للشرع، بينما الأصل الصحيح في هذا الباب هو أن تُرَدَّ الأمور عند التنازع إلى كتاب الله وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم - بردها إلى العلماء المجتهدين العاملين فلا ترد إلى آراء الرعاع وعامة الناس.

يقول شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله تعالى - معقباً على قول الله - تعالى -: فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللّهِ وَالرَّسُولِ يقول: وفي هذه الآيات أنواع من العبر الدالة على ضلال مَن تحاكم إلى غير الكتاب والسنة وعلى نفاقه وإن زعم أنه يريد التوفيق).

وشيخ الإسلام هنا يريد إلى قول الله - تعالى -عن المنافقين: ثُمَّ جَآؤُوكَ يَحْلِفُونَ بِاللّهِ إِنْ أَرَدْنَا إِلاَّ إِحْسَاناً وَتَوْفِيقاً وهذا الذي يقوله أصحاب السياسات الجائرة التي تخالف الكتاب والسنة إذا جئتهم قالوا: السياسة والأمور لا تصلح إلا بهذا ولو كانت مخالفة لكتاب الله ولسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم - وشيخ الإسلام يقول: (وإن زعم أنه يريد التوفيق بين الأدلة الشرعية وبين ما يسميه هو عقليات من الأمور المأخوذة من بعض الطواغيت من المشركين وأهل الكتاب) ومن ثم فإن علماء الإسلام - رحمهم الله - تعالى - بينوا أنَّ من يتصدى للقضاء ومن يتصدى للإفتاء لابد أن يتصف بعدة صفات عديدة معروفة أهمها: الاجتهاد وذلك بأن يكون من أهل الاجتهاد وهذا يشمل عدة أمور:

أولها: العلم بالكتاب والسنة وما يتعلق بهما من أحكام وتمييز ناسخ الآيات ومنسوخها وناسخ الحديث ومنسوخه وتمييز صحيحه من ضعيفه إلى آخره.

الأمر الثاني: العلم بلسان العرب.

والأمر الثالث: أصل مقرر وليس على دعاوى ولا على آراء عقلية مجردة.

وذكروا أيضا صفات لمن يتصدى للإفتاء وللقضاء منها العدالة ومنها أن تكون لديه نية صالحة يريد فيها أن يبين أحكام الله للناس، كذلك أيضا أن يكون متضلعا في العلم الشرعي ومسائله متقنا له، وأيضا أن يكون له معرفة بأحوال الناس وعاداتهم ومقاصدهم حتى تكون فتواه على بينة ومعرفة بأمرهم. ثم أن يكون حليماً متأنياً غير متسرع في إصدار الأحكام وهذه قضايا مهمة جداً ويبقى أيضا أن يعلم أن الإفتاء أنواع:

النوع الأول: إفتاء مجرد عن الاجتهاد وهذا ما يكون من باب الأخبار الخالصة كأن يسأل العالم سؤالا فيجيب بما يعلم من كتاب الله ومن سنة رسوله - صلى الله عليه وسلم - فيسأله السائل ويقول له: ما أعظم آية في كتاب الله، فيأتي هذا العالم ويقول آية الكرسي؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - أقر من أجاب بذلك.

النوع الثاني: هو ما يكون معه اجتهاد بأن يجتهد العالم لاستنباط الحكم الشرعي، وهذا له حالتان:

إحداهما: ما يسمى في علم أصول الفقه بتحقيق المناط، بمعنى أن تكون الأحكام الشرعية معلومة بالكتاب أو السنة أو الإجماع ثم يأتي هذا المفتى فينزل تلك الأحكام على هذه الواقعة وفي هذه الحالة يجب على المفتي أن يعلم هذه الحالة فينزل عليها هذا الحكم وهذا في الأمور التي قد وضحت دلالاتها من الكتاب والسنة وتكون مهمة المجتهد المفتي هنا هو فهم الواقعة فهماً صحيحاً ثم تنزيل ذلك الحكم عليها.

الحالة الثانية: أن يكون الحكم الشرعي الذي يريده المجتهد لهذه الواقعة غير معلوم له فيحتاج إلى أن يبحث في الأدلة ويجتهد فيها ليستخرج الحكم ثم بعد ذلك يطبق ذلك الحكم على تلك الواقعة.

وقد اشترط العلماء للمفتي شرطين أساسيين:

أحدهما: معرفة الإحكام الشرعية وهذه هي قضية الاجتهاد التي أشرنا إليها.

الثاني: فهم الواقع ومعرفة صورة الواقعة التي حدثت معرفة تامة حتى يكون إفتاؤه وحكمه فيها حكماً مبنيَّا على تصور واضح.

فلابد أولاً من تصور الحكم الشرعي، ولابد ثانياً من فهم الواقعة.

ثم يأتي الأمر الثالث وهو تنزيل ذلك الحكم على تلك الواقعة.

فأين هذا من منهج أولئك الذين يريدون أن يحرفوا الناس عن عقيدتهم وعن شريعتهم بتلك الوسائل، والرعاع من غير المجتهدين ومن غير العلماء هذا منهج خطير يجب أن ننتبه له. والعلمانيون وغيرهم بدأوا يسلكون هذا المسلك ليجعلوا قضية فيها ما يشاءون ويفتوا بما يريدون وحينئذ تتحول الأحوال والأمور إلى فوضى والله - سبحانه وتعالى - يقول: فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ

أيها الإخوة الأحباب: هذه خلاصة منهج السلف الصالح - رحمهم الله - تعالى - في مصادر التلقي أولا، وفي بيان ما يرتبط بذلك من قضايا الأحكام الشرعية ومنهج الاستدلال لها ثانياً.

أسأل الله - سبحانه وتعالى - أن يبصّرنا بديننا وأن يوفقنا لما يحبه ويرضاه، وأن يجنبنا الخطأ والزلل، وأن يغفر لنا خطايانا، وأن يوفقنا جميعا للعلم النافع والعمل الصالح.

والله أعلم.

وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

___________

(1) هذه في الأصل محاضرة ألقيت في أحد مساجد الرياض.

26/3/1429 هـ

http://islamlight.net/almahmood/index.php?option=content&task=view&id=8947&Itemid=25

Image CAPTCHA
Enter the characters shown in the image.