Share |
فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات
تم قراءة المقال : 3875

فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات

 

تأملت في قوله الله - عز وجل -: وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَاماً (68) يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَاناً (69) إِلاَّ مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحاً فَأُوْلَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً (الفرقان 68-69).

ووجدت أن العلماء قد اختلفوا في صفة تبديل السيئات حسنات.

قال ابن القيم - رحمه الله -: "واختلفوا في صفة هذا التبديل، وهل هو في الدنيا أو في الآخرة؟ على قولين: فقال ابن عباس وأصحابه هو تبديلهم بقبائح أعمالهم محاسنها، فبدلهم بالشرك إيماناً، وبالزنا عفة وإحصاناً، وبالكذب صدقاً، وبالخيانة أمانة".

فعلى هذا معنى الآية: أن صفاتِهم القبيحةَ، وأعمالَهم السيئة بُدِّلوا عوضها صفاتٍ جميلةً، وأعمالاً صالحة، كما يبدل المريض بالمرض صحة، والمبتلى ببلائه عافية.

وقال سعيد بن المسيب وغيره من التابعين: "هو تبديل الله سيئاتهم التي عملوها بحسنات يوم القيامة، فيعطيهم مكان كل سيئة حسنة".

ثم قال ابن القيم - رحمه الله - بعد أن تكلم على القولين السابقين: "إذا علم هذا فزوال موجب الذنب وأثره تارة يكون بالتوبة النصوح وهي أقوى الأسباب، وتارة يكون باستيفاء الحق منه وتطهيره في النار؛ فإذا تطهر بالنار وزال أثر الوسخ والخبث عنه أعطي مكان كل سيئة حسنة، فإذا تطهر بالتوبة النصوح وزال عنه بها أثر وسخ الذنوب وخبثها كان أولى بأن يعطى مكان كل سيئة حسنة؛ لأن إزالة التوبة لهذا الوسخ والخبث أعظم من إزالة النار، وأحب إلى الله.

وإزالة النار بدل منها، وهي الأصل؛ فهي أولى بالتبديل مما بعد الدخول".

وقال: "التائب قد بدل كل سيئة بندمه عليها حسنة؛ إذ هو توبة تلك السيئة، والندم توبة، والتوبة من كل ذنب حسنة؛ فصار كل ذنب عمله زائلاً بالتوبة التي حلت محله وهي حسنة؛ فصار له مكان كل سيئة حسنة بهذا الاعتبار؛ فتأمّلْه؛ فإنه من ألطف الوجوه.

وبناءاً على هذا فقد تكون هذه الحسنة مساوية في القدر لتلك السيئة، وهذا من أسرار التوبة ولطائفه".

هذا هو محصل أقوال العلماء في صفة التبديل.

ولكن يبقى تساؤل يثار عن سبب تبديل السيئات حسنات، فيقال: هل يكون من كثرت سيئاته وعظمت أفضل ممن قلَّت سيئاته وخفَّت إذا هما تابا، وكيف يكون ذلك؟ وهل لكثرة السيئات مزية بعد التوبة النصوح؟

كان هذا التساؤل يرد علي كثيراً ولم أطَّلع - على قلة اطلاعي - على شيء من كلام العلماء في ذلك، فخطر في بالي سببٌ لعله يجيب عن هذا التساؤل؛ فيقال: إن من أسباب مضاعفة الأعمال ترك الإنسان ما تشتهيه نفسه من الشهوات المحرمة إذا هو تركها خالصاً من قلبه.

ولا ريب أن كثرة المعاصي تضعف القلب، وتحول دون التوبة الصالحة الخالصة النصوح؛ لأن الذي يقع في الذنوب الكثيرة الكبيرة يقوى تعلقه بها، ويصعب عليه الخلاص منها؛ فإذا أراد التوبة والإقلاع عنها - كان محتاجاً إلى قوة إخلاص، وصدقِ عزيمة، وشدة قهر للنفس ومنازعة لها.

فإذا اقتحم تلك العقبة؛ فقد...... نفسه، وقهرها، وتجرع مرارة الصبر، وغصص الحرمان - كان جديراً بتلك الكرامة، ألا وهي تبديل السيئات حسنات.

أما من كانت سيئاته قليلة صغيرة فربما لا يحتاج إلى كبير عناء ومجاهدة؛ فيكون أجره على قدر مجاهدته، وقد يكون له أعمال صالحة تفوق أعمال غيره ممن له سيئات كبيرة كثيرة ثم تاب عنها توبة نصوحاً.

ثم قرأت بعد ذلك كلاماً لابن القيم في كتابه الفوائد ربما يعضد ذلك المعنى، يقول - رحمه الله -: "وقد كتبوا إلى عمر بن الخطاب يسألونه عن هذه المسألة أيهما أفضل: رجل لم تخطر له الشهوات ولم تمر بباله، أو رجل نازعته إليها نفسه فتركها لله؟ فكتب عمر: إن الذي تشتهي نفسه المعاصي ويتركها لله - عز وجل - من الذين امتحن الله قلوبهم للتقوى لهم مغفرة وأجر عظيم.

وهكذا من عَرَف البدع والشرك والباطل وطرقه، فأبغضها لله، وحذرها، وحذَّر منها، ودفعها عن نفسه، ولم يدعها تخدش وجه إيمانه، ولا تورثه شبهة، ولا شكاً، بل يزداد بمعرفتها بصيرة في الحق ومحبة له، وكراهة لها، ونفرة عنها، أفضل ممن لا تخطر بباله، ولا تمرُّ بقلبه؛ فإنه كلما مرَّت بقلبه، وتصوَّرت له ازداد محبة للحق، ومعرفة بقدره وسروراً به؛ فيقوى إيمانه به.

كما أن صاحب خواطر الشهوات والمعاصي كلَّما مرَّت به، فرغب عنها إلى ضدِّها ازداد محبةً لضدِّها ورغبة فيه وطلباً له وحرصاً عليه؛ فما ابتلى الله - سبحانه - عبدَه المؤمن بمحبة الشهوات والمعاصي، وميل نفسه إليها إلا ليسوقه بها إلى محبة ما هو أفضل منها، وخير له، وأنفع، وأدوم، وليجاهد نفسه على تركها له - سبحانه - فتورثه تلك المجاهدةُ الوصولَ إلى المحبوب الأعلى.

فكلما نازعته نفسه إلى تلك الشهوات، واشتدَّت إرادته لها وشوقه إليها - صرف ذلك الشوق والإرادة والمحبة إلى النوع العالي الدائم؛ فكان طلبه له أشد وحرصه عليه أتم، بخلاف النفس الباردة الخالية من ذلك؛ فإنها وإن كانت طالبة للأعلى لكن بين الطلبين فرق عظيم.

ألا ترى أن من مشى إلى محبوبه على الجمر والشوك أعظم ممن مشى إليه راكباً على النجائب! فليس من آثر محبوبه مع منازعة نفسه كمن آثره مع عدم منازعتها إلى غيره؛ فهو - سبحانه - يبتلي عبدَه بالشهوات، إما حجاباً له عنه، أو حجاباً له يوصله إلى رضاه وقربه وكرامته".

12/3/1427هـ

http://www.toislam.net/files.asp?order=3&num=2542&per=1111&kkk=