Share |
وسائل تقوية الإيمان
تم قراءة المقال : 2394

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه وبعد:

* أهمية التربية الإيمانية:

1) أنها كفيلة بتصحيح النيات، وترسيخ الإخلاص، وإيجاد الضمانات لعدم حصول الانحرافات والأمراض القلبية، مثل: الرياء، وحب الرئاسة، وغيرها.

2) التربية الإيمانية مهمة للفرد المسلم حتى تحميه من هذه الانحرافات والأمراض.

3) وهي كذلك مهمة حتى يذوق المسلم حلاوة الإيمان؛ وحتى لا يكون هذا الإيمان بارداً جافاً ليس فيه حرارة في قلبه وضميره، وحتى يعمر الإيمان قلب المسلم بحيث يصبح هذا الإيمان في القلب مصدر الدفع، والمحرك الدائم لكل الأعمال الصالحة.

4) وكذلك التربية الإيمانية مهمة لإيجاد الأوساط الإيمانية التي من خلالها يتربى الناس ويتحولون إلى لبنات صالحة في بناء المجتمع المسلم الكبير.

5) كذلك التربية الإيمانية مهمة لضمان نجاح العمل الإسلامي الذي يختلف عن بقية الأعمال، لأن أي عمل تجاري يكون فيه دقة وقوة وحركة دائبة، وفيه تنسيق وتخطيط، وكفاءة عالية، كذلك العمل الإسلامي.

لكن ليست هذه الأشياء هي التي تفرق بين العمل الإسلامي وغيره بقدر ما تفرق القضايا الإيمانية بين العمل الإسلامي وغيره، وبدون الأشياء الإيمانية تتحول الدعوة إلى الله إلى شبه أعمال روتينية مثل القضايا التجارية فيها تخطيط وتنسيق وكفاءة عالية، فالذي يميز هذه عن هذه قضية الأعمال الإيمانية أعمال القلب وأمور الإيمان.

6- وأخيراً فإن التربية الإيمانية مهمة؛ لأنها جالبةٌ لتوفيق الله الموصل إلى النصر، وإلا فإن الإخفاق والإحباط مصير كل عمل لا يلتزم بهذه الإيمانيات.

 

* أهم الوسائل المعينة على تقوية الإيمان ([1]):

(1) سؤال الله الثبات على الإيمان:

قد صح عن أنس - رضي الله عنه -، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يكثر أن يقول: ((يا مقلب القلوب! ثبت قلبي على دينك))، فقلنا له: يا رسول الله! أتخاف علينا وقد آمنا بك وصدقناك، وآمنا بما جئت به؟! فقال - عليه الصلاة والسلام -: ((نعم؛ إن قلوب العباد بين إصبعين من أصابع الله يقلبها كيف يشاء)) ([2]).

(2) الصبر والمجاهدة:

قال علي بن أبي طالب حين كان يقول: " الصبر من الإيمان بمنزلة الرأس من الجسد، فإذا فقد الصبر فقد معه الإيمان ".

الإنسان قد يذكر الله حيناً من الدهر، أو يحافظ على الصلاة، أو على الدعاء، أو على أي عمل من الأعمال الصالحة التي تقوي الإيمان، لكن إذا لم يكن لديه صبر، فما أسرع أن يدب إليه الكسل والملل! فيترك الذكر والدعاء والأعمال الصالحة، أو يفرط فيها!!

وقد يسعى في تحصيل العلم، فيجلس في حلقة من حلقات المشايخ الموجودة في طول هذه البلاد وعرضها، أو يقرأ شيئاً من الكتب، يبدأ في ذلك، وربما يبدأ بداية جادة، ولديه برنامج عريض طويل، وينتقل من حلقة إلى حلقة، ومن قراءة إلى سماع، وغير ذلك، لكن إذا لم يكن متحلياً بالصبر فسرعان ما يدب إليه الملل والضجر والضيق، ويترك هذه الأشياء جملة، وربما صار كالمنبت لا أرضاً قطع ولا ظهراً أبقى.

(3) طلب العلم الشرعي:

وهو العلم الذي يؤدي تحصيله إلى خشية الله وزيادة الإيمان به - عز وجل -، كما قال - تعالى -: (إِنَّمَا يَخْشَى اللهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ)([3]).

ولا يستوي في الإيمان الذين يعلمون والذين لا يعلمون، فلا يستوي من يعلم بأمور الشريعة ومن هو جاهل بالدين وأحكامه قال - تعالى -: (قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الألْبَابِ) ([4]).

العلم أنواع:

ـ النوع الأول: العلم بالله - تعالى -وأسمائه وصفاته، وما يجب له، وهذا العلم من أقوى أسباب تقوية الإيمان إذا سلك الإنسان إليه الطريق الصحيح، فإن معرفة الله - عز وجل -، ومعرفة أسمائه وصفاته تورث حبه ورجاءه وخوفه، ولا بد من ذلك، ولذلك قيل: من كان بالله أعرف كان منه أخوف.

فإذا عرف العبد ربه من خلال القرآن الكريم، والحديث الصحيح، وجد في قلبه حب الله وخوفه وتعظيمه.

ولهذا فإن أول مصدر يجب أن يتلقى عنه الشاب العقيدة في الله - تعالى -، ورسله، واليوم الآخر، والقدر، هي النصوص الشرعية، لأنك تجد في القرآن الكريم من التعريف بالله - تعالى -ما هو مدعاة لإثارة الأعمال القلبية كالحب والخوف والرجاء والتوكل.

ـ النوع الثاني من العلم الذي يزيد الإيمان أيضاً هو: العلم بتفاصيل أمور الشريعة، كمعرفة الحلال والحرام. فيزيد الإيمان من حيث أن الإنسان كلما علم حكماً جديداً، فآمن به وسلم له؛ زادت كمية الأحكام التي يؤمن بها من جهة، ومن جهة ثانية: فهو سيعمل بهذا الحكم، ويدعو إليه، ويؤيد من عمله، وبذلك يقوى إيمانه ويزداد.

(4) الاجتماع على الخير والعمل الصالح:

ونخن نعرف ونجد من ضرورات نفوسنا أن الإنسان قد ينشط للعبادة إذا كان في ملأ أكثر مما ينشط لها إذا كان بمفرده، ولذلك تجد من الإقبال على القيام في رمضان، في صلاة التراويح والقيام ما لا تجده في غيره، وتجد أن الله - عز وجل - شرع الجماعة في كثير من العبادات، في صلاة الجماعة، والعيدين، والكسوف، وغيرها، وكالحج، وتجد أن المسلمين يقومون بالعبادات في وقت واحد، فيصومون في وقت واحد، ويقفون بعرفة في وقت واحد، وهذا مدعاة لقوة فعل الإنسان للطاعة، وإقباله عليها، ولذلك تجد الإنسان حين يصوم في رمضان، يجد من القوة والإقبال على الصيام ما يجد، لكن حين يصوم نفلاً بعده يشعر بثقل هذا الصيام، أو بثقل الجوع والعطش، أكثر مما كان يشعر به من قبل.

فالاجتماع على الخير من أسباب الإقبال على العبادة، والنشاط فيها، ومن ثم زيادة الإيمان، ولهذا كان الصحابة - رضي الله عنهم - يقول بعضهم لبعض: "تعال بنا نؤمن ساعة"، قالها عمر ومعاذ بن جبل وعبد الله بن رواحة وقالها غيرهم - رضي الله عنهم - أجمعين، وأخذها عنهم التابعون كـ علقمة وغيره، فكانوا يقولون: هلموا بنا نؤمن ساعة، وربما جلسوا فقرأ أحدهم على الآخر سورة (العصر)، ثم انصرف، مع أنهم مؤمنون أصلاً، لكن المعنى أن نقوي إيماننا.

(5) التفكر في الكون:

فالإنسان حين يتفكر في ملكوت السماوات والأرض، وما خلق الله من شيء، يصل إلى الإيمان بالله - تعالى -ولذلك جاء في الصحيحين عن ابن عباس - رضي الله عنه - في قصة مبيته عند خالته ميمونة: "أن النبي - صلى الله عليه وسلم - حين استيقظ من النوم خرج ثم قرأ العشر الآيات الأواخر من سورة آل عمران: (إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآياتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ)" ([5]).

وفي صحيح مسلم ([6]): "أنه قرأها ثلاث مرات كل ذلك يقرؤها ثم يصلي ما شاء الله له ثم ينام، ثم يقوم فيقرؤها ثم يصلي ما شاء الله له ثم ينام، ثم يقوم ثم يقرؤها، ثم يصلي ما شاء الله له، ثم ينام".

فقراءته لها ثلاث مرات، وهو ينظر في السماء - صلى الله عليه وسلم - إشعار بأهمية التفكر في ملكوت السماوات والأرض.

ولذلك أيضاً روى بعض الأئمة كـ عبد بن حميد، و ابن المنذر، و ابن عساكر، و ابن أبي الدنيا، وابن حبان في صحيحه، وغيرهم عن عطاء أنه قال: "قلت لعائشة: أي أمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان أعجب إليه؟ قالت - رضي الله عنها -: وأي أمره لم يكن عجباً - صلى الله عليه وسلم -، إنني رأيته وقد جاء إلى فراشي فنام قليلاً ثم استيقظ وبكى، وقال: ((يا عائشة! ذريني أتعبد الليلة لربي))، قلت: والله إني لأحب قربك، وأحب ما سرك، قالت: فقام فتطهر، ثم قام يصلي قالت: فلم يزل يبكي حتى بل حجره قالت: ثم بكى فلم يزل يبكي حتى بل لحيته، قالت: ثم بكى فلم يزل يبكي حتى بل الأرض، فجاء بلال يؤذنه بالصلاة، فلما رآه يبكي قال: يا رسول الله لم تبكي وقد غفر الله لك ما تقدم وما تأخر؟ قال: ((أفلا أكون عبدا شكوراً، لقد نزلت علي الليلة آية ويل لمن قرأها ولم يتفكر فيها: (إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآياتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ) ([7])، ثم قال: ويل لمن قرأها ولم يتفكر فيها)) رواه ابن حبان في صحيحه ([8]).

(6) ذكر الله - تعالى -، وقراءة القرآن الكريم:

ونحن نتوقع حين يسرح إنسان فكره في ملكوت السماوات والأرض، وما خلق الله من شيء، وينظر في هذه المعجزات الباهرة في كل مكان، أنه سينطق لسانه بذكر الله - تعالى -والثناء عليه، ولذلك ذكرت الذكر بعد الفكر، والمقصود بالذكر هو كل شيء يذكر العبد به ربه، من قراءة القرآن، أو الصلاة، أو الدعاء، أو التسبيح، أو التهليل، أو التحميد، أو غيرها.

1- القرآن أفضل الذكر على الإطلاق: وأفضل الذكر على الإطلاق هو القرآن، ولذلك روى مسلم في صحيحه عن جابر - رضي الله عنه - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: ((أفضل الصلاة طول القنوت))([9])، والقنوت هو طول القيام كما فسره النووي وغيره.

وإنما كان طول الوقوف في الصلاة فاضلاً لأنه محل قراءة القرآن، فكان أفضل ما في الصلاة طول القنوت، ولذلك ينبغي للعبد المسلم أن يحرص على أن يكون له ورد من القرآن، لا يخلفه حفظاً ونظراً.

وفيما يتعلق بالحفظ أثنى الله - عز وجل - على حفاظ القرآن، ووصفهم بأنهم هم الذين أوتوا العلم، قال - سبحانه -: (بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ) ([10])، وكفى بهذا ثناءً على الحفاظ.

ولهذا فجدير بكل شاب مسلم أن يحرص على أن يجعل من هدفه ودأبه حفظ القرآن الكريم، فيحفظ في كل يوم قدراً ولو قَلّ، أما ما يتعلق بقراءة النظر، فينبغي للإنسان أن يقرأ على الأقل جزءاً في كل يوم، حتى يختم القرآن في شهر.

ومما يحسن أن يجعل الإنسان محل هذا بعد صلاة الفجر، لأن هذا الوقت وقت ضائع بالنسبة لأكثرنا، فإن أكثر الناس يقضون هذا الوقت المهم المثمر في النوم، ويضيعون على أنفسهم بذلك فضلاً عظيماً، فقد ثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: ((من صلى الغداة في جماعة ثم قعد يذكر الله حتى تطلع الشمس، ثم صلى ركعتين كانت له كأجر حجة وعمرة تامة تامة تامة))([11])

ثم روى مسلم في صحيحه أيضاً عن سماك بن حرب قال: قلت لجابر بن سمرة أكنت تجالس رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؟ قال: "نعم كثيراً.. كان لا يقوم من مصلاه الذي يصلي فيه الصبح أو الغداة حتى تطلع الشمس، فإذا طلعت الشمس قام وكانوا يتحدثون فيأخذون في أمر الجاهلية فيضحكون ويتبسم"([12]).

فينبغي للإنسان أن يجعل له علاقة بهذا القرآن، لا يسمح بالتفريط فيه، فإن شغله عن ذلك شاغل عوضه فيما بعد، وكان عكرمة بن أبي جهل يضع القرآن على صدره ثم يبكي! ويقول: "قرآن ربي كلام ربي".

وذلك لما وجد في قلبه من اللذة بمناجاة الله - تعالى - بقراءة القرآن كما قيل:

هو الكتاب الذي من قام يقرؤه *** كأنما خاطب الرحمن بالكلم.

فتدبر القرآن من أهم أسباب زيادة الإيمان، قال - تعالى -فى صفات المؤمنين الصادقين: (وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَاناً) ([13]).

قد أمرنا الله - عز وجل - أن نتدبر القرآن فقال - تعالى -: (كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُوا الْأَلْبَابِ) ([14])، أما من يقرأ و لا يتدبر الآيات قال الله عنه: (أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا)([15]).

قال بن القيم: "إذا أردت الانتفاع بالقرآن فأحضر قلبك عند تلاوته و سماعه و ألقى سمعك و أحضر حضور من يخاطبه به، فإنه خطاب الله لك على لسان نبيه المصطفى قال - تعالى -: (إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ)"([16]).

2- من أعظم الذكر الدعاء: ومن الذكر أيضاً الدعاء، بل هو من أعظم الذكر، ومن أعظم أبواب العبادة، وإذا كانت العبادة مأخوذة في اللغة العربية من التعبد، يقال: هذا طريق معبد يعني بكثرة السير عليه، فإن الدعاء من أعظم العبادات التي تتجلى فيها العبودية لله - تعالى -، لأن فيه شدة الانكسار بين يديه، فالعبد وهو يصلي ربما يداخله أحياناً نوع من العجب بعمله، ولكن العبد في حال الدعاء، إذا صدق فيه، فإنه يتحقق فيه كمال الانكسار والتذلل والخضوع لله - عز وجل -، ولذلك صح من حديث النعمان بن بشير - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: ((الدعاء هو العبادة)) ([17])، وكما في قول الله - عز وجل -: (وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ)([18]).

(7) العمل الصالح:

والعمل بصفة عامة من أهم عوامل تقوية الإيمان، بل هو جزء لا يتجزأ من الإيمان، سواء في ذلك عمل اللسان، أو عمل الجوارح، كالصيام والصدقة والزكاة والعمرة والحج، وزيارة الأقارب والزيارة في الله، وغير ذلك من الأعمال الصالحة.

فهي من أهم وسائل تقوية الإيمان، ونقيضها الأعمال السيئة التي هي من أهم وسائل تضعيف الإيمان، والقضاء عليه، ولذلك جاء في الصحيحين عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: ((لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن، ولا ينتهب نهبة ذات شرف يرفع الناس إليه أبصارهم حين ينتهبها وهو مؤمن)) ([19]) وزاد مسلم في صحيحه: ((فإياكم وإياكم)) ([20]).

يعني: احذروا هذه الأعمال فإنها جديرة في سلب الإيمان من صاحبها، ولذلك كان ابن عباس يقول لعبيده: "اسمعوا، من أراد منكم الباءة زوجناه، فإن العبد إذا زنى نزع الإيمان من قلبه حتى يكون فوق رأسه كالظلة كما أنزع قميصي هذا وقد يعود إليه وقد لا يعود".

فإذا خرج الإيمان من قلب الإنسان فالإنسان لا يضمن أن يعود الإيمان إلى قلبه، وهذا فيه وعيد شديد لكثير من أصحاب المعاصي.

والتقرب إلى الله بها أعظم وسيلة إلى محبة الله وفي الحديث القدسي من حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - قال رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم -: ((إن الله قال: من عادى لي ولياً فقد آذنته بالحرب، وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضت عليه، وما يزال عبدي يتقرب إلى بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها ولئن دعاني لأجيبنه، ولئن سألني لأعطينه)) ([21]).

(8) القرب من بيئة الطاعة:

القرب من أي بيئة طاعة يزيد الإيمان، والقرب من بيئة المعصية ينقص الإيمان، ثبت من حديث أبي موسى الأشعري - رضي الله عنه - أن النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - قال: ((مثل الجليس الصالح و السَّوء، كحامل المسك و نافخ الكير؛ فحامل المسك إما أن يُحديك و إما أن تبتاع منه، و إما أن تجد منه ريحاً طيبة، والجليس السوء كنافخ الكير إما أن يحرق ثيابك، وإما أن لا تسلم من دخانه)) ([22]).

وعن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ((المرء على دين خليله فلينظر أحدكم من يخالل)) ([23]).

(9) التفاعل مع الآيات الكونية:

كان رسول الله ـ صلى الله علية وسلم ـ إذا رأى ريحاً عُرف ذلك في وجهه فقالت عائشة: يا رسول الله أرى الناس إذا رأوا الغيم فرحوا رجاء أن يكون فيه المطر، وأراك إذا رأيته عرفت في وجهك الكراهية، قال: ((يا عائشة ما يؤمنني أن يكون فيه عذاب قد عذب قوم بالريح، وقد رأى قوم العذاب فقالوا: (هذا عارض ممطرنا)) ([24]).

وكان - صلى الله عليه وسلم - يقوم فزعا إذا رأى الكسوف كما جاء في صحيح البخاري ([25]).

وقد روى ابن عمر - رضي الله عنهما - أن رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - قال لأصحابه لما وصلوا الحجر: ((لا تدخلوا على هؤلاء المعذبين إلا أن تكونوا باكين فإن لم تكونوا باكين فلا تدخلوا عليهم لا يصيبكم ما أصابهم))([26]).

(10) تعظيم حرمات الله:

يقول الله - تعالى -: (ذَلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ) ([27]).

وحرمات الله هي: حقوق الله - سبحانه وتعالى -.. وقد تكون في الأشخاص كالأنبياء، والصحابة، والعلماء...

وقد تكون في الأمكنة كبيوت الله - تعالى -.

وقد تكون في الأزمنة.

(11) الولاء والبراء:

أي موالاة المؤمنين ومعاداة الكافرين وذلك أن القلب إذا تعلق بأعداء الله يضعف وتذوب معاني العقيدة فيه. فإذا جَرَّد الولاء لله فوالى عباد الله المؤمنين وناصرهم، وعادى أعداء الله فإنه يحيى بالإيمان.

(12) وهناك أعمال للقلوب مهمة في تجديد الإيمان:

مثل: محبة الله، والخوف منه، ورجائه، وحسن الظن به، والتوكل عليه، والرضا به، وبقضائه، والشكر له، والصدق معه، واليقين به، والثقة به - سبحانه -، والتوبة إليه... وما سوى ذلك من الأعمال القلبية.

وهنالك مقامات ينبغي على العبد الوصول إليها لاستكمال العلاج كالاستقامة، والإنابة، والتذكر، والاعتصام بالكتاب والسنة، والخشوع، والزهد، والورع، والمراقبة... وقد أفاض في هذه المقامات ابن القيم - رحمه الله تعالى - في كتابه مدارج السالكين.

(13) محاسبة النفس:

يقول - جل وعلا -: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ) ([28]).

قال عمر ابن الخطاب - رضي الله عنه -: حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا.

فلابد للمسلم وقت يخلو فيه بنفسه فيراجعها ويحاسبها وينظر في شأنها وماذا قدم من الزاد ليوم المعاد.

يقول أحد السلف: والله، إني لأعلم ذنوبي حتى في انقطاع شراك نعلي وسير دابتي.

ونظر أحد السلف إلى امرأة في السوق فقال له صاحبه: والله، لتجدن غبّها ولو بعد حين، أي: أثر هذا الذنب، فنسي القرآن بعد أربعين سنة من تلك الحادثة.

(14) التوبة والاستغفار:

التوبة والاستغفار ممحاة للذنوب، وعلامة على صدق التوجه إلى الله - تعالى -، والانكسار بين يديه، وطلب هدايته، والتوفيق على طاعته.

فالتوبة كما قيل: أول الطريق، وأوسطه، ونهايته.

قال - تعالى -: (وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ) ([29]).

وقال - تعالى -: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحاً عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ) ([30]).

عن أبي هريرة عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: ((إن العبد إذا أخطأ خطيئة نكت في قلبه نكتة، فإن هو نزع واستغفر وتاب صقلت، فإن عاد زيد فيها، وإن عاد زيد فيها حتى تعلو فيه فهو الران الذي ذكر الله - جل وعلا -: (كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون))([31]) ([32]).

ولذلك فإن الذي يستغفر ربه، يجلو قلبه وهذا حديث: ((وإنه ليغان على قلبي، وإني لأستغفر الله في اليوم مائة مرة)) ([33]).

 

خطوات عملية لتقوية الإيمان:

* الأماكن العامة:

(المساجد، والمدارس، الفنادق، المكاتب الحكومية، المؤسسات الأهلية، والمحاكم القضائية، والأسواق، وفرزات السيارات، والشوارع، والمتاجر، والبوافي، والمطاعم، ومحلات الإنترنت).

أ ـ المساجد:

ففيها أعظم مظاهر الإيمان، وهي أشرف بقاع الأرض.. فهي بيوت الله، وبيت عبادته والسجود له، والاعتكاف فيه، وهي مدارس التعليم والفقه في الدين، وهي الأمكان التي تتنزل فيها الرحمات، والملائكة..

قال - تعالى -: (إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله واليوم الآخر.. ).

عن أبي هريرة - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: ((إنَّ للمساجد أوتاداً؛ الملائكة جلساؤهم، إن غابوا يفتقدونهم، وإن مرضوا عادوهم، وإن كانوا في حاجة أعانوهم))، ثم قال: ((جليس المسجد على ثلاث خصالٍ: أَخٌ مستفاد، أو كلمة حكمة، أو رحمة منتظرة)) ([34]).

وعن أبي الدرداء - رضي الله عنه - قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: ((المسجدُ بيتُ كلِّ تقِيٍّ)) ([35]).

وإخراج مسلم ذو عبادة صحيحة، ومعاملة صحيحة، و عقيدة سليمة، و دعوة على بصيرة، وأخلاق حسنة.. لا يتم إلا في هذه المساجد.

- وأهم مظاهر تقوية الإيمان فيها:

1) بناء المساجد: عن عثمان بن عفان قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم – يقول: ((من بني لله مسجداً بني الله له مثله في الجنة)) ([36]).

2) أداء الصلوات في أوقاتها:

3) إقامة الدروس العلمية والإيمانية فيها.

4) إقامة الحلقات القرآنية لأبناء المسلمين.

5) توظيف الأئمة والخطباء المؤهلين للقيام بهذا العمل العظيم ليقوموا بدورهم في تقوية الإيمان من خلال: الخطب الإيمانية والتربوية المساهمة في تهذيب نفوس المسلمين وتزكيتها وتطهيرها من أدران الشرك، والميل إلى البدع.. بالحكمة والبصيرة.

وهذا يحتاج إلى تكاتف الجهود في توعية الخطباء بهذه المسئولية والأمانة العظيمة، وإقامة الدورات التأهيلية لهم بوسائل الدعوة والتربية.

6) إحياء سنة الاعتكاف:

7) تشكيل اللجان الدعوية، والملتقيات الشبابية لكل مسجد للقيام بدورهم في الدعوة والتعليم، والرحلات، وتوزيع المنشورات الهادفة في المناسبات الزمانية.

8) استقطاب العلماء والدعاة في المحاضرات والندوات العلمية والتربوية المنظمة فيها.

9) إنشاء ملحقات نسائية في المسجد لاستقطاب النساء لغرض تعليمهن القرآن والسنة.

ب ـ المدارس:

1) الإذاعات الصباحية الإيمانية.

2) استضافة العلماء والدعاة لإلقاء الكلمات التربوية للطلاب.

3) أداء المدير والمدرس لدورهم التربوي تجاه أخطاء الطلاب التربوية، وسلوكياتهم المخالفة.. بتثقيف الطلاب، وغرس معاني الإيمان في نفوسهم.

4) عدم الاختلاط بين الذكور والإناث في المدارس سواء كانوا طلاب أو مدرسين أو إداريين.

أهم وسائل تقوية الإيمان في هذه الأماكن عموماً:

- الخطوات العملية:

1) الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

2) توزيع الوسائل والمواد العلمية والإيمانية مثل: الأشرطة، والسي ديهات، والمطويات، والكتيبات، والملصقات... وغيرها.

3) إنشاء مجلة أو صحيفة متخصصة بإحياء هذا الدور.

4) إنشاء المكتبات والتسجيلات في الأماكن العامة، وجوار المؤسسات، والفنادق، والمطاعم...

5) إحياء دور الاحتساب على المنكرات الظاهرة.

6) اللوحات الإرشادية على الطرق والشوارع.

7) إصدار الفتاوى حول المنكرات الظاهرة والمنتشرة.

8) إقامة الدورات، والمحاضرات، والمنتديات المتخصصة بتقوية الإيمان.. وتفعيل دورها بين الرجال والنساء.

- وسائل التوعية العامة:

1) تحذير الناس من الغفلة والبعد عن الله - تعالى -.

2) التحذير من خطر الاختلاط بين الرجال والنساء.

3) خطورة الانغماس في الشهوات، وهجر بيوت الله - تعالى -.

4) الحث على طلب العلم، وحضور المحاضرات، ومجالسة الصالحين.

ــــــــــــــــــــــــــــ

([1]) استفدت هذا الموضوع من خلال محاضرة مفرغة للشيخ سلمان بن فهد العودة بعنوان "تقوية الإيمان"، ومحاضرة للشيخ محمد بن صالح المنجد " ظاهرة ضعف الإيمان"، ومجلة البيان العدد (122) للشيخ محمد عبد العزيز اللحيدان.

([2]) مسند الإمام أحمد (3/112) رقم (12128)، وسنن الترمذي رقم (2140) وصححه الألباني في صحيح الترمذي.

([3]) فاطر: 28.

([4]) الزمر: 9.

([5]) آل عمران: 190.

([6]) صحيح مسلم حديث رقم (763).

([7]) آل عمران: 190.

([8]) أخرجه ابن حبان في صحيحه رقم (620) قال شعيب الأرنؤوط: إسناده صحيح على شرط مسلم.

([9]) أخرجه مسلم في صحيحه رقم (756)

([10]) العنكبوت: 49.

([11]) أخرجه الترمذي في سننه رقم (586) وقال: هذا حديث حسن غريب، قال: وسألت محمد بن إسماعيل عن أبي ظلال؟ فقال: هو مقارب الحديث. قال محمد: واسمه هلال. والحديث حسنه الألباني في صحيح الترمذي، وصحيح الترغيب والترهيب (464)، والسلسلة الصحيحة (3403).

([12]) صحيح مسلم رقم (670).

([13]) الأنفال: 2.

([14]) ص: 29.

([15]) محمد: 24.

([16]) ق: 37.

([17]) سنن الترمذي رقم (2969) وقال: هذا حديث حسن صحيح رواه منصور. وصححه الألباني في صحيح الترمذي.

([18]) غافر: 60.

([19]) صحيح البخاري رقم (2343) وصحيح مسلم رقم (6390).

([20]) صحيح مسلم رقم (57).

([21]) صحيح البخاري رقم (6137).

([22]) صحيح البخاري رقم (1995) وصحيح مسلم رقم (2628).

([23]) مسند الإمام أحمد (2/334) رقم (8398) قال شعيب الأرناؤوط: إسناده جيد رجاله ثقات رجال الشيخين غير موسى بن وردان

([24]) صحيح مسلم رقم (899).

([25]) صحيح البخاري رقم (1010) وهو في مواضع متفرقة.

([26]) صحيح البخاري رقم (423) وصحيح مسلم رقم (2980).

([27]) الحج: 32.

([28]) الحشر: 18.

([29]) آل عمران: 135.

([30]) التحريم: 8.

([31]) المطففين: 14.

([32]) صحيح ابن حبان بترتيب ابن بلبان رقم (930) وقال الأرناؤوط: إسناده حسن، وأخرجه بسند آخر رقم (2787) وقال الأرناؤوط: إسناده قوي.

([33]) صحيح مسلم رقم (2702).

([34]) رواه أحمد في المسند والحاكم في المستدرك، انظر: صحيح الترغيب والترهيب (1/252 (329)..

([35]) رواه الطبراني في الكبير والبزار، انظر: صحيح الترغيب والترهيب (1/253) (330).

([36]) أخرجه ابن ماجة رقم (736) وصححه الألباني.

عبير
فلسطين
13 شوّال 1432
جزاك الله كل الخير على هذا الكتاب
0
0