عندما قال شيخ الإسلام ابن تيمية عبارته المتينة: (الناس تغيب عنهم معاني القرآن عند الحوادث فإذا ذكروا بها عرفوها) (مجموع الفتاوى27/363) فإن كان مدركاً لذلك من خلال وقائع وأحداث، حيث كان فقيهاً في قضايا عصره والحكم عليها، فقد حفلت سيرته بنوازل شائكة متعددة، وأزمات عويصة مشكلة، ومع ذلك فكان - رحمه الله - دقيقاً في توصيفها، ومصيباً في الحكم عليها، وفتواه -مثلاً- في شأن التتار مثال ظاهر على ذلك.
والناظر إلى حال أهل الإسلام تجاه نازلة العراق يرى انحساراً وذهولاً عن معاني القرآن، ومن ذلك قوله - تعالى -: (وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ) "المائدة، آية 51" فمظاهرة الكفار على أهل الإسلام ردة وخروج عن الملة، والمقصود بالمظاهرة أن يكون أولئك أنصاراً وظهوراً وأعواناً للكفار ضد المسلمين.
يقول شيخ المفسرين ابن جرير- رحمه الله - في تفسير هذه الآية: (من تولاهم ونصرهم على المؤمنين فهو من أهل دينِهم ومِلَّتهم، فإنَّه لا يتولَّى متول أحداً إلاَّ وهو بهِ وبدِينِه وما هو عليه راضٍ، وإذا رضيَه ورضي دينه، فقد عادَى ما خالفه وسخطه، وصار حكمه حكمه) "تفسير الطبري 6/160".
وها هو شيخ الإسلام ابن تيمية مع سعة علمه ورحابة صدره يقرر ذلك بكل صرامة قائلاً: (فمن قفز منهم إلى التتار كان أحق بالقتال من كثير من التتار، فإن التتار فيهم المكره وغير المكره، وقد استقرت السنة بأن عقوبة المرتد أعظم من عقوبة الكافر الأصلي فمن وجوه متعددة). "مجموع الفتاوى 28/534".
مع أن الحكم على التتار -في حد ذاته- مشكل على بعض أهل العمل، لكن الإمام ابن تيمية يقطع بكفرهم، وكفر من لحق بهم وظاهرهم، فما بالك بالقتال مع الأمريكان الصليبيين المقطوع بكفرهم وظلمهم واستبدادهم؟!
ويقول ابن القيم "إنه - سبحانه - قد حكم ـ ولا أحسن من حكمه ـ أن من تولى اليهود والنصارى فهو منهم"، (وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ) فإذا كان أولياؤهم منهم بنص القرآن كان لهم حكمهم" (أحكام أهل الذمة 3/67).
وقد عني أئمة الدعوة السلفية في الجزيرة العربية بهذه النازلة ابتداءً من الشيخ محمد بن عبد الوهاب - رحمه الله - وإلى سماحة العلامة الشيخ عبد العزيز بن باز - رحمه الله - حيث قال: (وقد أجمع علماء الإسلام على أن من ظاهر الكفار على المسلمين وساعدهم عليهم بأي نوع من المساعدة فهو كافر مثلهم، كما قال - سبحانه -: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاء بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ) "المائدة، آية 51" (فتاوى ابن باز 1/274).
ولم يقتصر علماء الدعوة السلفية على مجرد تنظير هذه المسألة، بل نّزلوا هذا الحكم الشَّرعي على ما يُلائِم من الوقائع وبكل رُسُوخ وتحقيق، والنَّاظر إلى رسالتيّ "الدَّلائل" للشيخ سليمان بن عبد الله بن محمد بن عبدالوهاب، و(النَّجاة والفِكاك من مولاة المُرتدِّين وأهل الإِشراك) للشيخ حمد بن عتيق، ومناسبة تأليفهما يُدرِك جلياً صرامة هؤلاء الأعِلام تِجاه هذه القضيَّة وتنزيل حكم الله على من تلبّس بهذه الردة.
كما أفتى علماء من المالكية أن من حمل السلاح مع العدو الكافر ضد المسلمين ويحاربهم يكون حكمه كحكم الكافر في نفسه وماله، (أنظر كتبا الفتاوى الفقهية في أهم القضايا لحسن اليوبي 229-234).
وأخيراً فإنَّ في العراق أهل إسلام وسنة، كما أنَّ فيها مُستضعفين مظلومين ملهوفين فحقٌ علينا نصرهم بالدُّعاء لهم، والدُّعاء على كفرة أهل الكتاب، والسَّعي إلى إغاثتهم ودعمهم من أجل دفع هذا العدو الصليبي الصائل عنهم، فلا ينبغي أن يكون كفَّار مكة خيراً منَّا حيث اجتمعوا في حِلف الفُضُول على التَّعاون مع العدل ونُصرة المظلُوم، وكما في الحديث عنه - صلى الله عليه وسلم - (إنَّ الله لا يقدس أمة لا يأخذ الضعيفُ حقه من القوي وهو غير متعتع) أخرجه البيهقي، وصححه الألباني في صحيح الجامع الصغير ج(1853).