Share |
الابتعاث
تم قراءة المقال : 933

عناصر الخطبة :

1. خطر الابتعاث على الشباب.

2. غزو الإسلام، والقضاء على العقيدة.

3. البيئة والرفقة غالبتان.

4. اجتماع الخراب بعضه إلى بعض.

5. مخاطر الذهاب لأخذ العلم النافع من الغرب.

6. أقوال العلماء في الابتعاث وشروط ذلك.

7. مخالفة المغضوب عليهم والضالين في الهدي الظاهر.

8. أهمية التحصين والدورات الشرعية التأهيلية للمبتعثين.

الخطبة الأولى:

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أما بعد:

فإن أحسن الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمدٍ صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثةٍ بدعة، وكل بدعةٍ ضلالة، وكل ضلالةٍ في النار.

عباد الله:

إن تعلّم العلوم النافعة مما جاء به دين الإسلام، وإن تغذية هذه الأمة بما يقويها هو من أسباب كونها مرهوبة الجانب، وقد قال تعالى: (وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ) [سورة الأنفال:60] ولا شك أن قوّة الدين في أولها، ولكنّ هنالك قوىً كثيرة ترتقي بمستوى الأمة من تقنيةٍ وإعلامٍ واقتصادٍ ونحو ذلك، ومن هنا وجب على أفراد الأمة العمل للارتقاء بها، ويعمد الكثيرون إلى الذهاب للدراسة في الخارج؛ لأجل الحصول على شهادةٍ، أو على علمٍ، أو زيادة نسبة فرصة الالتحاق بوظيفةٍ في المستقبل ونحو ذلك من الأسباب، وقد يذهب بعضهم لأمورٍ أخرى، وهذه الحركة في الذهاب للدراسة في الخارج هي في الغالب تكون عند غير المسلمين؛ لأنهم الذين سبقوا في هذا العصر في علوم الدنيا وأسباب قوة الأمم من جهة الدنيا، فأسباب القوة الدنيوية يتميزون بها اليوم، وبعضهم ربما يقتنع بأنه لا يوجد من التعليم في بلاد المسلمين ما يشبع نهمته أو يجعله في المستوى الذي يريده، وبعضهم يريد بالشهادة الأجنبية نوعاً من المظهرية لا يجدها في الشهادة المحلية، وبعضهم لا يجد مجالاً في الجامعات أصلاً فيذهب إلى جامعاتٍ خارجية، وهذه القضية مع وجود مبرراتٍ وأسباب تدعو إليها في كثير من الأحيان إلا أنه يجب التفكير بعمقٍ جيدٍ للغاية فيما يترتب عليها، فهل يكون الذهاب بلا ضوابط؟ أو يمنع الذهاب أصلاً؟ أو يكون بضوابط؟ وما هي هذه الضوابط؟

إن هنالك ضغوطاً داخليةً في النفس، وخارجيةً في البيئة تدعو لمثل هذا، وقد سبق لعددٍ من شباب أجيال هذه الأمة في عصرها المتأخّر الذهاب في بعثات، فماذا كانت النتيجة؟

خطر الابتعاث على الشباب:

عباد الله:

لا يذهب في العادة كبير السن، وإنما يذهب الشاب، والشباب عماد الأمم، وشابٌ نشأ في طاعة الله هو الذي يرجى، وقد قال عبد الله بن شوذب: "إن من نعمة الله على الشاب إذا تنسك أن يواخي صاحب سنةٍ يحمله عليها"([1])، فإن الشاب على أول نشوئه، والخير في الشباب كبير، وهذه سنٌ مباركة، والعطاء فيها عظيم، والقدرات فيها كثيرة. فإذا أحسن استثمارها عادت بالنفع الكبير؛ وإلا أصبحت موجةً من القوة التدميرية تدمّر كل شيء، والذين يذهبون ويقولون: نريد الاطّلاع على الأنظمة المتقدمة والأساليب العلمية الجديدة وما استجدّ في العلوم المختلفة وفرصة التدريب في الأماكن المتقدّمة، والمشاركة في المؤتمرات العلمية، ومتابعة المستجدات في التخصص ونحو ذلك؛ من هذه المبرّرات فعلاً  ما هو حق، وأن الأخذ به سيفيد، ولكن عندما يتقاطر شباب المسلمين زرافاتٍ ووحداناً على الذهاب إلى بلاد الكفر بغض النظر عن أسنانهم، وأعمارهم، وما لديهم من التحصين؛ فإنه يمكن أن تكون هنالك كارثةٌ كبرى تحيط بالأمة.

قال الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز رحمه الله: وهل هناك أنجح من حضنهم – أي أعداء الله – للمراهقين في مثل هذه الرحلات، وغسل أدمغتهم بما يلقونه عليهم من توجيه؟ فتيقظوا لهذه الخطط الخبيثة ولا تسلموا أولادكم لأعدائكم فتلقوا بهم إلى التهلكة، وتدفعوهم إلى طرق الضلال، يظنّ بعض المبتعثين أنهم سيعودون لتبوّء أعلى المناصب، فإذا وجد دعماً مالياً فإن أهله سيسعون لإقناعه قبل نفسه وستكون الفرصة الذهبية بالنسبة له في نظر هؤلاء، ولا بد من العودة إلى تاريخ ما حصل في الأمة عندما أرسلت أبناءها وبناتها إلى الخارج وماذا كانت النتيجة، لقد عاد بعضهم فعلاً بأسبابٍ للرقي وتقنياتٍ وخبراتٍ وعلومٍ نافعة، ولكن كثيراً منهم وبعض الذين رجعوا بأمورٍ نافعة قد رجعوا بأشياء أخرى معها أيضاً، فحصل من تسميم العقول ومسخ الشخصيات على يد الهيئات والأجواء والبيئات الموجودة هنالك ما حصل، وقد كان لبعض أجيال المسلمين ذهابٌ إلى الخارج فرجعوا إلى بلادهم في غاية الانتكاس، والدعوة إلى التغريب، وخلع ثياب الإسلام، وأنه شيءٌ متخلفٌ متأخر، ويرجع بعضهم أيضاً بأنواع من الأمراض التي تفتك بالأجساد، والانحلال والانحراف والوقوع في الحرام؛ نتيجةً للصدمة التي وجدها عندما ذهب إلى مكانٍ لا يوجد فيه نوعٌ من الضوابط في قضايا الأخلاق والعلاقة بين الجنسين.

غزو الإسلام، والقضاء على العقيدة:

قال المستشرق شاتلي: إن أردتم أن تغزو الإسلام و تقضوا على هذه العقيدة فعليكم أن توجهوا جهود هدمكم إلى نفوس شبابهم المسلم بإماتة روح الاعتزاز بماضيهم المعنوي وكتابهم القرآن، وحتى لو لم نجد إلا المغفلين منهم والسذج لكفانا؛ لأن الشجرة يجب أن يتسبب لها في القطع أحد أغصانها، وقال ممثل مذهب الإلحاد والوجودية في هذا الزمن المتأخر جان بول سارتر: كنا نحضر رؤساء القبائل وأولاد الأشراف الأثرياء والسادة من أفريقيا وآسيا ونطوف بهم بضعة أيام في أمستردام والنرويج وبلجيكا وباريس فتتغيّر ملابسهم، ويتعلمون منا طريقةً جديدةً في الرواح والغدو، ويتعلمون لغاتنا، وأساليب رقصنا، وركوب عرباتنا، وكنا ندبّر لبعضهم أحياناً زيجاتٍ أوروبية ثم نلقّنهم أسلوب الحياة الغربية، كنا نضع في أعماق قلوبهم الرغبة في أوروبا ثم نرسلهم إلى بلادهم التي كانت أبوابها مغلقةً في وجوهنا ولم نكن نجد منفذاً إليها، كنا بالنّسبة إليهم رجساً ونجساً، لكن منذ أن أرسلنا المفكرين الذين صنعناهم في بلادنا كنا نصيح من برلين أو باريس: الإخاء البشري، فيرتدّ رجع أصواتنا من أقاصي أفريقيا، أو الشرق الأوسط، أو شمال أفريقية لنقول لهم: ليحل دين الإنسانيّة محل الأديان المختلفة.

هذا ما قاله بعض مفكّري الغرب في مرحلةٍ مبكرةٍ من القرن الماضي عندما بدأت أجيال البعثات في التوافد من بلاد المسلمين إلى تلك المجتمعات، فإذا رجعوا عاثوا في البلاد فأكثروا فيها الفساد، رجعوا بأنواع من الإلحاد والتزلزل في الدين الذي حصل لهم هناك ثم بتحررٍ من ضوابط الأخلاق وبقية الفضيلة التي كانت لديهم، ومع العولمة اليوم صار الفساد هنا وهناك، ولكن يبقى مركزه ومصدره هنا.

البيئة والرفقة غالبتان:

ولا شك أن مجتمعاً فيه دين الإسلام، وسماع الأذان، والمساجد، والأخيار، والدعاة، وطلبة العلم، وكبار السن ممن فيهم دينٌ وإيمان وشيء من الروابط الأسرية الباقية هو خيرٌ وأقوم من بلاد الانحلال والكفر والإباحية، والعجب أن المتأمّل للذين ذهبوا من المبتعثين من الصين واليابان، وتلك البلاد المشرقية إلى بلاد الغرب للتحصيل في أوائل القرن الماضي في زمنٍ متقاربٍ جداً مع بعثات المسلمين إلى تلك البلاد يجد أن هؤلاء الذين ذهبوا من بلاد البوذيين كانت لديهم طموحاتٌ عظيمة وأهدافٌ سامية في نقل تقنية الغرب إلى بلاد الشرق، وكان الطالب الياباني يذهب في أواخر القرن الماضي ليتعلم التقنية مع المحافظة المتشددة على أخلاق بلاده ومجتمعه المشرقي، كما يذهب التلميذ الصيني المتواضع ليتعلم في مختبر جوليو كوري في باريس ويعود لبلاده بمعلوماتٍ نوويةٍ أدهشت العالم، ولكن ما الذي كان يحدث لكثيرٍ من أبناء المسلمين وبناتهم؟ تركوهم في مقاهي وخمارات الحي اللاتيني أو النوادي الموجودة في تلك الأصقاع، والأذكياء والمتفوقون كانت تعرض عليهم الفرص العظيمة للابتعاث وهم صغار السن؛ ليتخلّقوا بما يوجد هنالك من الأخلاق، ويحدث الاختلاط والمجالسة والمؤانسة وأنواع التغذية عمداً وبغير عمدٍ بما يوجد هنالك، والبيئة غالبة والرفقة طاغية والاقتباس كبيرٌ من الضعيف، واقتباس الضعيف من الغالب القوي اقتباسٌ كبير، فيأخذ العلوم النافعة وغيرها، ولقد تنصّر بعض من ذهب من أبنائنا إلى تلك البلاد ولا شك.

فأما أحوالهم في هذا الزمن المتأخر فإنها عجبٌ عجاب، غيّر بعضهم عنوانه ورقم هاتفه وقطع صلته بأهله وتوفيت أمه وهي تعاني من فقد ولدها الذي لا يتصل بهم أبداً، وهكذا باع دينه وأهله وذاب مع أولئك القوم، ويقول آخرون من الشباب المتبعثين: كل أسبوعين يأتينا عرض رحلةٍ مع المنصّرين وتكون الرحلة ثقافية ورياضية وترفيهية منظمة ومرتبة، ويقول أيضاً بعض الطلاب القدامى في الابتعاث عن الطلاب الجدد الذين جاؤوهم أنهم انفلتوا من كل عقال، فما أن وطئت أقدامهم تلك الأرض الغربية حتى أزالوا كل شيء، انفلتوا على المراقص والسينمات والخمارات وأنواع الفجور، لبسوا الحلق والسلاسل، وهكذا الأغلب منهم، هذا حالهم.

ولا شك أن خطر الانحلال من الدين وتزلزل العقيدة عظيم: (إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ) [سورة المائدة:72]، وإذا كانت الدنيا ستشترى وتدفع الآخرة والدين ليتخلص منهما ثمناً في المقابل فليعلم هؤلاء أن الله قال في كتابه: ( إِنَّ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا وَرَضُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّوا بِهَا وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آيَاتِنَا غَافِلُونَ * أُولَئِكَ مَأْوَاهُمُ النَّارُ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ )[سورة يونس:7-8]، عندما يحدث انفلات الشباب الصغار الذين يقذف بهم في تلك الربوع فإن المسؤوليّة ولا شك كبيرة جداً والحساب عسير؛ لأن الله سيسأل الضائع والمضيّع ( وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ) [سورة الحشر:19].

اجتماع الخراب بعضه إلى بعض:

وعندما يحدث اجتماع شلل الخراب مع بعضها فإن المرء يتذكّر قول الله: ( وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطاً ) [سورة الكهف:28]، عندما يذهب أبناؤنا وبناتنا بغير تحصين، فإذا كانوا هم في ضعفٍ في مستواهم الشرعي والديني وهم في مجتمعهم فكيف سيكون الحال هناك؟ وإذا كانت العولمة والفضائيّات وشبكة الإنترنت قد مهّدت الطريق، وإذا كانت الألعاب الإلكترونية وغير ذلك مما جاء من الانفتاح الكبير قد عسكر في النفوس؛ فإن الذهاب إلى الأصل والمنبع الآن سيكون اتصالاً عظيماً ومغذياً لتلك الإلحاديات والانحلالات التي حصلت في النفوس، فيكتمل ما حصل من الأثر هنا ويتلاقى ويتواصل مع المنبع هناك؛ ليكون شخصيةً أخرى، والذين ينظرون إلى القضية على أنها فرصٌ معيشية فقط، إنما يشابهون من وصفهم الله فقال: ( ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ) [سورة الحجر:3]، الذين يضيعون الدين من أجل شهادةٍ، من أجل ورقةٍ، من أجل لفافةٍ أو حتى فرصةٍ وظيفية يجب أن يتأمّلوا في قول الله: ( إِنَّ هَؤُلاءِ يُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ وَيَذَرُونَ وَرَاءَهُمْ يَوْماً ثَقِيلاً) [سورة الإنسان:27]، لقد حذرنا الله فقال: ( وَذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَعِباً وَلَهْواً وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا )[سورة الأنعام: 70]، ولو فرضنا أن عالم الانحلال لم يشغلهم عن الدراسة، وأنهم استطاعوا الجمع بين الفسوق والفجور، وبين التقنية والشهادة، فأي خيرٍ يرجى من وراء هذا الجمع؟ وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((إن الله يبغض كل جعظري جواظ صخاب في الأسواق، جيفة بالليل، حمار بالنهار، عالمٌ بالدنيا، جاهلٌ بالآخرة))([2])، وما هي الفائدة من الانغماس في قومٍ يَعْلَمُونَ ظَاهِراً مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ [سورة الروم:7]؟

مخاطر الذهاب لأخذ العلم النافع من الغرب:

وإذا كان أخذ ما لدى الغرب من العلوم النافعة وأسباب القوة واجباً في هذا الزمن فمن الذي يقوم به؟ هؤلاء الذين تقذفهم الثانويات؟ أو أولئك الذين حضّروا وحضروا وتقدّموا في مشوارهم العلمي ليتمّموه بالأخذ هنالك بعد نضجٍ وتقدمٍ في السن وزواجٍ وتحصين، من المفترض أن يكون من الذاهبين إلى تلك البلاد؟ إن عملية التلقيح للأفكار ليست قضيةً سهلةً هينة، وما يحدث للعقول من الباطل والافتتان بما لدى القوم خطيرٌ وكبير، وإذا كان الخطر على الهوية الإسلامية بهذا العمق فإنّنا يجب أن نفكر جيداً في صفات الذين يذهبون إلى تلك البلاد: ماذا لديهم من التعليم؟ ماذا لديهم من التحصين الشرعي؟ ماذا لديهم من القوة في الرد على الشبهات؟ ماذا لديهم من الفضيلة والعفة؟ ماذا لديهم من الصمود والقدرة على مواجهة الفتن هناك؟

إنه اختلاطٌ وتبرجٌ وسفورٌ وتعرٍ وانحلال، إنها دعواتٌ سهلةٌ جداً لاتخاذ الصديقات والعشيقات، وإذا كان بعض أهل الضلال هناك يزيّنون الأمر بأن يقولوا لمن يذهب: إذا سكنت مع عائلةٍ غربية فإنك ستحصل على تغطيةٍ كاملة، وأما إذا سكنت وحدك أو مع أصحابٍ لك من المسلمين فلسنا مسؤولين عنك، فماذا ستكون النتيجة؟ ومعلومٌ الأثر للمال في مثل هذه الأحوال، وإذا كان الضغط لأجل السكن بمفرده مع عائلةٍ نصرانية بزعم القدرة على اكتساب اللغة بشكلٍ سريع هو الذي سيحدث ثمّ بعد ذلك يذهب إلى المراقص والبارات ويتفنّن في تعلم لغة الشارع بدلاً من تعلم لغة التقنية، وشتّان شتان بين تعلم لغة الشارع هناك ولغة الساقطين ولغة الأغاني وبين لغة التقنية.

ويتفاجأ بعض المبتعثين القدامى هنالك بأناسٍ صغارٍ في السن وبعضهم يتخرج بدرجة مقبول فقط يتخلّون مباشرةً بعد وصولهم عن الصلاة والأخلاق والفضيلة، نراهم يتزاحمون في شوارع المراقص والبارات، ويريدون شراء الخمر بالسر؛ لأن أعمارهم دون 21 سنة، ولا تسمح بعض القوانين في بعض تلك الديار بشرائها لمثل من هم في هذه الأعمار، وكأن العقول محصورة في الجنس واللهو، وإذا كان الآلاف المؤلفة يذهبون ويصبّون هناك فماذا ستكون النتيجة بعد سنين عند عودتهم؟

أقوال العلماء في الابتعاث وشروط ذلك:

لقد تكلم علماؤنا في مخاطر هذه القضية، وذهب بعضهم في أوّل الأمر إلى منعها بالكلية كما قال الشيخ محمد بن إبراهيم رحمه الله في منع ذلك بتاتاً؛ سداً لباب الردّة والنشء الكفري وقطعاً لمادة الفتنة وتمييزاً وتفريقاً بين الحق والباطل، وحثّ هؤلاء العلماء على إيجاد المنشآت التعليمية على المستويات العالية بالاستغناء عن الذهاب وجلب الخبراء من المعلمين الذين يدرّسون باحترافٍ؛ للارتقاء بمستويات الطلاب بدلاً من إرسال الطلاب هناك، وصحيحٌ أن بعض الخبرات لا تقتبس بالدرجة العالية إلا في مصانع ومختبرات في مركز التقنيات المتقدمة، ولكننا يمكن أن نتنازل عن شيءٍ من هذه الدرجة الاحترافية في سبيل سلامة ونجاة بناتنا وأبنائنا، ويمكن كذلك أن نقتصر في الابتعاث على من هو مُحصّنٌ تتوافر فيه شروط لنيل علومٍ لا يُمكن تحصيلها بفتح منشآتٍ تعليميةٍ واستيراد خبراء ليقوموا بالتدريس فيها، والقضية في غاية الخطورة؛ لأن رأس جبل الجليد لم يكد يظهر في هذا الوقت وقد ظهر كاملاً في تجارب سابقة، وقد ذهب بعض العلماء إلى شروط قيّدوا بها هذه البعثات ومنها ما ذكره علماء اللجنة الدائمة للإفتاء:

أولاً: لا يجوز السفر إلى الدول الغربية الكافرة للدراسة فيها إلا فيما لا تتيسّر دراسته في البلاد الإسلامية من العلوم الدنيوية.

ثانياً: ألا يكون بالإمكان استقدام من يضطر إليه من المتخصصين الأمناء في العلوم الكونية إلى بلاد المسلمين للقيام بتدريس المسلمين فيها.

ثالثاً: أن تكون البلاد الإسلامية بحاجةٍ لهذا التخصص الذي سيذهب إلى دراسته، لأن كثيراً مما يسمى بالعلوم الإنسانية وعلوم الترف والعلوم التي قال عنها عليه الصلاة والسلام: ((أعوذ بك من علمٍ لا ينفع))([3])؛ يذهب الكثيرون لدراسته من الذكور والإناث هناك، وكذلك من الشروط أن يكون الشخص المبتعث محصناً في دينه في العلم الشرعي، وكذلك على درجةٍ من العفة والفضيلة تمنعه من الانزلاق في عالم الفتن المنتشرة، ومن هذا أن يكون متزوجاً.

عباد الله:

إن العيش وسط القوم له ضريبةٌ كبيرة ( وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّاراً حَسَداً مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ) [سورة البقرة:109]، ويريدون في مرحلة قوتهم أن يأخذ المغلوب من الغالب كل شيء، وأن يكون الولاء لهم في كل شيء. ونسأل الله سبحانه وتعالى أن يعزّ دينه، وأن يري المسلمين الحق حقاً ويرزقهم اتباعه وأن يجنبنا الشرور والآثام والفتن ما ظهر منها وما بطن، إنه وليّ ذلك والقادر عليه. أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

الخطبة الثانية:

الحمد لله رب العالمين، ولا عدوان إلا على الظالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وليّ الصالحين، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله النبي الأمين، وقائد الغرّ المحجّلين، والشافع المشفّع يوم الدين، اللهم صلّ وسلم وبارك على عبدك ونبيك محمدٍ وعلى آله وذريته وأزواجه وخلفائه ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين.

مخالفة المغضوب عليهم والضالين في الهدي الظاهر:

قال شيخ الإسلام رحمه الله: وقد شرع الله من الأعمال والأقوال ما يباين سبيل المغضوب عليهم والضالين -وهم اليهود والنصارى- وأمر بمخالفتهم في الهدي الظاهر، وإن لم يظهر لكثير من الخلق في ذلك مفسدة؛ لأمور: أن المخالفة في الهدي الظاهر توجب مباينةً ومفارقة، وأن الانعطاف إلى أهل الهدى والرضوان يقطع الموالاة عن الأعداء والخاسرين، وكذلك فإن من يعيش من المسلمين بقرب أهل الكفر هم أسوأ المسلمين، والذين يعيشون من الكفار بقرب المسلمين هم أحسن الكفار حالاً، والنبي صلى الله عليه وسلم قد بيّن لنا حكم الإقامة بين المشركين، وأنه بريءٌ ممن أقام بين ظهراني المشركين، وألا نستضيء بنارهم: أي البعد عنهم، لا تتراءى ناراهما، يعني عسكر الفريقين، لا يرى هؤلاء نار هؤلاء، ولا هؤلاء نار هؤلاء، وبرئ النبي صلى الله عليه وسلم ممن اختار البقاء بين المشركين.

أهمية التحصين والدورات الشرعية التأهيلية للمبتعثين:

وعندما نجد هذه الإقامة للسنوات الطويلة ستحدث لهؤلاء المبتعثين، فماذا سيكون حالهم؟ وعندما يذهب هؤلاء بهذه الكثرة فإن السؤال يقفز إلى الأذهان: ما هي التحصينات التي حصّناهم بها؟ كم دورةً شرعيةً وإيمانيةً قد دخلها هؤلاء قبل أن يذهبوا؟ ما هي درجة التدقيق التي حصلت لهم لفرز من هو مستعدٌ للانحلال أو الانسياق المباشر وبين من عنده شيءٌ من الإحجام والممانعة للأخذ عن أولئك القوم؟ ومن الذي زكّى هذا الذاهب؟ وما هي مجموعات الحماية التي شُكِّلت للاتصال بهم في البلدان التي سيذهبون إليها وفي بلادهم هم؟ وهنالك مجموعاتٌ إلكترونية تشكّل في شبكة الإنترنت يحدث فيها أنواع من التواصل، يكون فيها أنواع من الحماية ودرجة من الرعاية، فماذا أُعِدَّ لهؤلاء المبتعثين هناك من الحمايات؟ وما هي أدوار الملحقيات والمسؤولين عن البعثات؟

ولو كان هنالك من التقارير الدقيقة المتوالية والتقويميّة من الثقات ما يحدث لأمكن على الأقل إذا لوحظ تغيّرٌ في شخصٍ ونُصِحَ وأنذر فلم يستجب أن يُسحب من البعثة، ولكن تبقى القضية تتفاقم حتى يدخل في مهاوي الرذيلة ليرجع مرغماً بعد مدة خالي اليدين صفراً لا يملك شيئاً لا من أمور الدين ولا من أمور الدنيا، فمتى تستفحل القضية إذاً ويتم سحبه؟ بعد خراب البصرة، ثم ما هو دور مراكز البحث العلمي في تقاريرها وتقويمها للأمور وجمعها للإحصاءات والبيانات التي تساعد على اتخاذ ما يلزم لتحصين هؤلاء الذاهبين؟ وما هي السنّ المشترطة والوضع الاجتماعي المشترط لهذا؟ وأين الربط بين المراكز الإسلامية الموثوقة وبين هؤلاء الطلبة، عندما يذهبون فيجدون على الأقل بعض إخوانهم في الدين لهم صلاتٌ بهم؟ وأين استمرار الصلة بين المبعوث وبين أهله؟ وبين أهل القدوة والتربية والعلم والموعظة والفتوى، ومن الذي سيجيب عن أسئلتهم؟ وهل أُعِدَّت العدة لتلبية حاجاتهم في الاستفتاء عندما تقوم؟

إن دوراتٍ تأهيليةٍ شرعيةٍ وإيمانيةٍ أمرٌ مطلوبٌ جداً في مثل هذه الحالات، بل إن البوذيين الذين ذهبوا إلى بلاد الغرب كانوا لا يزالون على تواصلٍ مستمرٍ بالجهات التي ابتعثتهم من بلدانهم وبسفارات بلدانهم في تلك الديار التي ذهبوا إليها، وأين الزيارات المتتابعة منه لوالديه كلما أمكن؟ فإذا استطعنا ولو بشيءٍ من الإنفاق الزائد أن يزور والديه كل ربع سنة، وأن تطول مدة إقامته في الإجازة عند أهله لكان في ذلك أيضاً نوعٌ من تقوية الصلة وتمكينها، وأين الدراسات على نفسيّات المبتعثين؟ وماذا حدث في كل حالة من الحالات السلبيّة والسعي إلى تلافيها؟ وأين الحضّ على العودة إلى بلده مباشرةً فور انتهاء دراسته حتى لو حصل أنواعٌ من الإغراء المادي للبقاء هناك، بل ربما يتأخر بعضهم عمداً في الدراسة؛ لأن هنالك من ينفق عليه، فلماذا الاستعجال؟ والمسألة تقوم على تذكّر الله تعالى أولاً وأخيراً، والخوف من عقابه، وأن هنالك جنة وناراً وأن هنالك قبراً وأهوالاً، وأن هنالك حساباً عسيراً يوم الدين، والدنيا تقبل وتدبر، وتلك الأيام نداولها بين الناس، والله يعطي الدنيا من يحب ومن لا يحب، ولا يعطي الآخرة إلا من يحب.

عباد الله:

إن الشعور بالمسؤولية والرغبة بالتصحيح والشفقة على هؤلاء الأغرار الصغار المساكين المراهقين الذين يذهبون في مقتبل السن، الرحمة الحقيقية بهم ليس في تعريضهم للخطر وأنواع الزلزلة العقدية والانحلال الخلقي، وإنما في إعدادهم نشأً صالحاً؛ حتى إذا احتاج الأمر من بعضهم للذهاب، ذهب وهو قويٌ في دينه، فخورٌ بعقيدته، يتشرّف بالرسالة التي يدعو إليها، بل يذهب داعيةً في الحقيقة فاتحاً لبلاد القوم بالقرآن. فما أجمل أن يكون المبتعث داعيةً إلى الدين بدلاً من أن يكون مدعواً إلى الفحشاء والشرّ والشرك.

اللهم إنا نسألك أن تبصرنا بالحق يا رب العالمين، وأن تدلنا عليه يا أرحم الراحمين، أحينا مسلمين وتوفنا مؤمنين وألحقنا بالصالحين، اللهم لا تفتنا بالدنيا يا رب العالمين، اللهم لا تفتنا، اللهم ثبتنا، اللهم إنا نسألك الثبات على دينك حتى الممات، يا مقلب القلوب ثبت قلوبنا على دينك، يا مصرّف القلوب صرّف قلوبنا على طاعتك، اللهم اغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا، اللهم أهلك أعداء الإسلام الذين يحاربون أولياءك يا رب العالمين، اللهم أنزل بهم عذابك وسخطك، اللهم أنزل بهم غضبك وأحل بهم مكرك يا رب العالمين، اللهم إنا نسألك الأمن في البلاد والنجاة يوم المعاد، سبحان ربك رب العزة عما يصفون وسلامٌ على المرسلين، والحمد لله رب العالمين، وقوموا إلى صلاتكم يرحمكم الله.


([1]) رواه الإمام اللالكائي في شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة، (1/60)، برقم (31).

([2]) رواه البيهقي في السنن الكبرى برقم (20593)، وابن حبان في صحيحه برقم (72)، وقال محققه الأرناؤوط: إسناده صحيح على شرط مسلم، وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة برقم (195)، وثم تراجع وضعفه في السلسلة الضعيفة برقم (2304)، وقال: " ثم تبين أنه منقطع بين سعيد وأبي هريرة ...، وقد كان في الصحيحة.

([3]) رواه مسلم، كتاب الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار، باب التعوذ من شر ما عمل ومن شر ما لم يعمل، برقم (2722).