"قد يقابلك في طريقك إحباطات وحالات فشل واضحة، ومن تلك التجارب تتعلم دروساً تمنحك البصيرة التي ستقودك إلى النجاح في المستقبل" د. شيري كارتر.

لم يكن أحد يتوقع أن يصبح الطفل اليتيم الذي تبنته عائلة من الملجأ؛ مبتكراً من نوع نادر أسهم بشكل فعال في نهضة الحاسب الآلي وتطوره، وجعله من الأساسيات في حياة الإنسان، ما جعل الاستغناء عنه في عصرنا الحالي أمراً مستحيلاً، إنه "ستيفن جوبس" مؤسس شركة أبل ماكنتوش للكمبيوتر بالتعاون مع "ستيف وزنياك" الذي شكل معه ثنائياً رائعاً ظهر تأثيره جليّاً في تطور الكمبيوتر، وسنتعرف -بإذن الله- سوياً في هذا المقال على قصة نجاح هذا الرجل.

من هو ستيفن جوبس؟

"كي يخرج الطائر من بيضته لا بدّ وأن يكسر جدارها أولاً" ألفريد لورد تنيسون.

ولد ستيفن جوبس في فبراير (1955م) في كاليفورنيا، والتي -شاء الله- أن تكون قلب صناعة الحاسب الآلي فيما بعد، كان جوبس يتيم الأبوين، وكان محظوظاً لأنه أصبح ابن بول وكلارا جوبس بالتبني، نشأ في الستينات وكان سلوكه متأثراً إلى حد بعيد بالظروف التي كانت تسود تلك الحقبة من التاريخ من ثورات وضغوط، وبالتالي فإن وجوده في منطقة "ماونتن فيو" أثر فيه تماماً، فالمحيط الذي عاش فيه كان له أثر في أحلامه وشخصيته، وبالتالي في النتائج التي حققها.

كان يُنظر إلى جوبس على أنه أحد الثوار في مدرسته "هوم ستيد هاي" إذ كان منعزلاً ووحيداً من دون أصحاب ولا أصدقاء، كان غريب الأطوار؛ لم يستطع التفاهم مع غيره من الأولاد؛ يريد أن تسير الأمور حسبما يرى.

عندما كبر وأصبح في الثانوية العامة كان يحب الاختلاط بمن هم أكبر منه، أحدهم كان "ستيف وزنياك"، والذي كان يكبره بأربع سنوات، كان جوبس يحب الالكترونيات، وغمره الفرح عندما صمم مع وزنياك "العلبة الزرقاء" التي كانت تساعد على تخفيض رسوم الهاتف للمكالمات البعيدة، وقد صممها وزنياك، وباعها جوبس عندما كان في الثانوية العامة، كانت هذه بروفة لما حصل بعد (3 سنوات) عندما أسس جوبس (20 عاماً) ووزنياك (24 عاماً) شركة "أبل"، وقد تخرج من المدرسة عام (1972م) ودخل جامعة "ريد في أوريغون"، وترك الجامعة بعد أول فصل ليعمل في شركة "أتاري"، وليبحث عن المستقبل الذي يحلم به.

بداية شركة أبل:

"المحن خير معلم" بنجامين ديزرائيلي.

تأسست شركة "أبل" للكمبيوتر في (1/ 4/1976م)، وحصلت في عام (1978م) على مساعدات مالية للقيام بمهامها، وقد عانت الشركة ماليّاً حتى عام (1980م) عندما طرحت أسهمها للعامة، ولم تكن "أبل" أول شركة كمبيوتر فقد كان "ألتير 8800" أول كمبيوتر وهو عبارة عن جهاز للهواة تم تسويقه عبر البريد عام (1974م)، ولم يكن "ألتير 8800" كمبيوتراً شخصيّاً ناجحاً؛ لأنه لم يكن باستطاعة المبرمج أن يخزن ويسترجع المعلومات، واستطاع جهاز "أبل 1" أن يصل إلى المستهلك.

وفي العام (1977م) تم طرح جهاز "أبل 2" الذي يحتوي على المواصفات التي عرفت بها "أبل"، وكان الجهاز يحتوي على شاشة ملونة، ولوحة مفاتيح، ومكان لوضع الأقراص.

استطاع جوبس أن يغير نظرة الخبراء إلى الكمبيوتر الشخصي الذي كان يعتبره معظمهم وبينهم"IBM" جهازاً للهواة، ولا يمكن أن يجتذب عامة الناس، وكان جوبس يعتقد بأن هناك سوقاً مهماً لهذه الآلة على الرغم من كل ما كان يدور حوله من اعتراضات. وتظهر ضخامة ما قدمه جوبس لعالم الكمبيوتر من خلال علاقته مع وزنياك، فقد باع جوبس سيارته الفولكسفاغن وأقنع وزنياك بأن يبيع آلته الحاسبة وماركتها "HP" لكي يحصلا على مبلغ (1300 دولاراً) كان كل ما يملكانه لكي يصنعا أول جهاز "أبل".

قرر وزنياك أن يبيع حقوق تصميم "أبل"، ولم يقتنع أحد بهذا الجهاز في البداية، ورفض جوبس أن يعطي حقوق التصميم لأحد، وصمم على أن يوصل الكمبيوتر إلى السوق بنفسه، أما وزنياك فكان يريد أن يرى فكرته تولد حتى لو أعطى هذه الفكرة للآخرين. كان وزنياك عالماً ومهندساً متفانيّاً ولكنه لم يكن مبدعاً وخلاقاً، أما جوبس فهو المبدع والخلاق الذي أوصل "أبل" إلى ما هي عليه الآن، وقد عانى الكثير قبل أن يقبل وزنياك أن يبيع آلته الحاسبة، وصرف المال على أول جهاز "أبل".

وحول جوبس جراش منزله إلى ورشة عمل، وجعل غرفته مخزناً، وغرفة الجلوس مكاناً للتحميل والتفريغ، ولم يكن المكان منزله؛ إنما منزل العائلة التي تبنته وحمل اسمها، فقد حوله إلى مصنع صغير لتصنيع أجهزة الكومبيوتر.

عكس التوقعات:

"لكي تصل إلى القمة لا بدّ أولاً أن تغوص في أعماق الأشياء" روبرت سي. سافيدج.

تعرض جوبس ووزنياك لضغوط كبيرة في أواسط السبعينات، فهناك الكثير توقع لهم الفشل، ومنهم (IBM) والصحافة، وواجه الاثنان الانتقادات، وعانيا الكثير للحصول على المال، وعلى الرغم من هذه الظروف إلا أنهما استطاعا تطوير آلتهما وتسويقها في ظل ظروف واعتقاد سائد بأنه ليس هناك سوق للكمبيوتر الشخصي.

ومن العجائب  أن شركة "إنتيل" والتي كانت من أشد المعتقدين بأنه ليس هناك مجال أو سوق للكمبيوتر الشخصي طرحت اكتشافاً هو (Microprocessor)، ولم تكن الشركة تعلم أن اختراعها هذا هو الذي جعل الكمبيوتر الشخصي من الأساسيات، ومتوافراً ومرغوباً فيه من الجميع.

وقد رفض كبار العاملين في صناعة الكمبيوتر قبول عروض وزنياك لتبني فكرة "أبل"؛ فلم يتصور أحد أنه يمكن أن يكون هناك سوق للكمبيوتر الشخصي، وكان هذا دافعاً وبخاصة لستيفن جوبس أن يثبت صحة أحلامه، وهنا تجدر الإشارة إلى أنه لولا هذا الرفض لما ازدادت عزيمة جوبس وتصميمه لتحقيق مراده وأحلامه، وقد نصحهما الكثيرون بالابتعاد عن أفكار المغامرة لكن جوبس لم يسمع، بل اتبع حدسه وقناعته، وهذان هما اللذان خلقا سوقاً بلغ (30 مليار) دولار خلال (5) سنوات، وأصبح ذلك بمثابة الصاعقة للشركات التي كانت تبيع جهاز (Mainframe) والتي احتاجت إلى (30 سنة) للوصول إلى (30 مليار دولار)، كانت (IBM) تتكلم بشكل سيء عن الكمبيوتر الشخصي وذلك لحماية (Mainframe)، لكن في عام (1980م) بدأ اهتمام (IBM) بالكمبيوتر الشخصي، وطرحت واحداً يحمل اسمها بعدما مهدت "أبل" الطريق لذلك.

كانت إرادة جوبس هي التي أثبتت للجميع أنهم كانوا على خطأ وهو الوحيد الذي غيَّر الطريقة التي تعامل بها الجميع مع الكمبيوتر الشخصي، وهذا يذكرنا بما قاله الدكتور/ عبد الكريم بكار: "يصبح المرء كبيراً حين ينجز الأعمال الكبيرة، ويصبح المرء أشبه بالأموات حين يعجز عن إنجاز الأعمال الصغيرة، أما الرواد فإن مهمتهم شق الطرق في الأماكن الوعرة حتى يمضي خلفهم الكبار والصغار، وبالإخلاص والصدق، وبالمثابرة والعزم؛ يمكن للمرء أن يجد نفسه بينهم".

نجاح وانجازات تعانق السماء:

"إن نجاحك يتأثر بنوعية وكمية الأفكار الجديدة التي تقترحها" بريان تراسي.

باعت شركة "أبل" حوالي(130.0000) جهاز "أبل 2"، وفي العام (1982م) تمت كتابة(14.000) برنامج كمبيوتر "أبل 2"، وهذا أدى بدوره إلى سيطرة أبل على عالم الكمبيوتر لفترة، وفي الحقيقة نصح الخبراء (IBM) بأن تطرح جهازاً متوافقاً مع "أبل"، وقد رفضت الشركة فكرة التوافق مع كمبيوترات أخرى.

دخلت "أبل" سوق الأسهم، وبيع السهم بـ (22) دولاراً، وكان أفضل عرض منذ أن دخلت شركة "فورد" سوق الأسهم عام (1950م) ووصلت مبيعات "أبل" إلى (7 مليارات) في العام (1992م).

وكل هذا النجاح يرجع بدوره إلى بصيرة ستيفن جوبس، ودعم ستيف وزنياك على الرغم من الاختلافات بينهما، حيث لم يكن لدى الاثنين أيَّة خبرة في إدارة الأعمال عندما أسسا شركة "أبل" في عام (1976م)، وكان النقص في الخبرة، وعدم القبول في السوق؛ عاملاً في نشوب المشكلات شبه اليومية في الصراع لأجل البقاء والاستمرار، وكان شبح الإفلاس وارداً في أي وقت حتى أواخر العام (1980م)، وقد تعاقبت إدارتان على "أبل" رأس إحداهما "مايك سكوت" وكان ذلك في عام (1977م)، وعند ترؤسه للشركة لم يعط "سكوت" ستيف جوبس أيَّة مسؤوليات مما أغضبه، وسأله عن السبب؛ فكان جوابه له: أنه لا توجد لديه أيَّة خبرة، وأنه لا يصلح أن يكون مديراً فعالاً، وسبَّبَ هذا انقساماً في الشركة؛ مما دفع "سكوت" إلى الاستقالة، وأصبح بعدها جوبس رئيساً للشركة.

لم ينته طموح جوبس عند شركة "أبل" فقط؛ بل قام بتأسيس شركة جديدة أسماها (Next) برأسمال قدره (15) مليون دولار، واجتذب معه عدداً من الممولين، وقد أدهش العالم عندما قام بعقد صفقات عدة بدأها بصفقة مع روس بيروت بعشرين مليون دولار، أعقبها بتأمين رأسمال قدره (100) مليون دولار إلى الشركة اليابانية (Canon)، وكان أهم العقود تعاوناً بين (IBM) و (Next) أثمر عن مبيعات تقدر بملايين الدولارات.

الحلم المناسب:

"يبدأ النجاح في مجال العمل عندما تحدد بدقة ما هو الشيء الأنسب لك لتفعله" بريان تراسي.

كانت الأزمات في حياة "ستيفن جوبس" هي دافعه المستمر إلى الابتكار والتطوير، كان لا يحمل شهادة، ومن دون مهنة، ومن دون عمل، ومن دون أصدقاء، ومن دون مال، ومن دون عائلة، لكنه كان يملك حلماً، وكانت شركة "أبل" هي حلمه وعمله، ورغبته وحبه، وهيامه، ودفع ثمن تعبه، وكان في بداياته يرجو الناس أن تقرضه بعض المال لتحقيق حلم غير أكيد، ولا مضمون، كما كان يرجو الدائنين أن يصبروا عليه كي لا يعلن إفلاس الشركة.

ظل "ستيفن جوبس" عازباً حتى أصبح عمره (34) سنة حين تزوج من "لورنس بوويل" في (20/3/1991م)، واستمر في ابتكاراته وأفكاره المدهشة التي تأثر بها الجميع، وأصبح بعدها شخصية شهيرة تهافتت عليها الصحف والمجلات، اختارته مجلة (Inc) شخصية العقد من (1980م) إلى عام(1990م) وكان ذلك في عام(1989م)، واختارته مجلة "تايم" في عام (1982م) أكثر الشخصيات مخاطرة، واختيرت شركة "أبل" الأسرع في دخول (Fortune 500) في الولايات المتحدة الأمريكية، وستظل بصمات "ستيفن جوبس" واضحة على عالم الكمبيوتر والطباعة خاصة من جهة توفير الوقت، والإبداع في العمل.

يقول موكول بانديا وروبي شيل: "بالنسبة إلى جوبس إحدى علامات أسلوبه في القيادة كانت قدرته على رؤية الفرص التجارية في أوضاع لا يمكن للآخرين فيها سوى رؤية الفوضى والارتباك، ونجاحه في الوقوف على ميول الزبائن، وتوظيف ذلك الفهم في إيجاد سوق واسعة".

وما أعظم أن نختم بما قاله مؤرخ ثقافي وصف جوبس بأنه: "هنري يوليوس قيصر أو والت ديزني هذا العصر"، كما كتبت نيويورك تايمز قائلة عنه: "لقد حقق جوبس مستوى من التأثير في كيفية عيش هذه الحياة في عصرنا الرقمي لا يناظره فيه حتى أقوى منافسيه العاملين في صناعة الحواسيب".

وأنت -أيها القارئ الكريم- يمكن لك أن تحقق ما حققه جوبس بل وأكثر من ذلك؛ لكن عليك أولاً أن تتحلى بالصبر على تحقيق أهدافك بجانب الابتكار والإبداع، وبالتأكيد أن تستعين بالله -تبارك وتعالى- طالباً منه العون والتوفيق.

أهم المراجع:

1- حكايات كفاح، كفاح فياض.

2- نخبة القادة الإداريين، موكول بانديا وروبي شيل.

3- إذا كان النجاح لعبة فهذه هي قوانينها، د.شيري كارتر سكوت.

4- قمة الأداء عند المرأة، براين ترايسي.

ali khaled
مصر
13 جمادى الآخر 1434
تقرير في منتهى الروعة. شكراً على مجهودك الرائع وهذه القيم المفيدة
0
0