فأسأل الله عز وجل أن يثيب الإخوة القائمين على هذه المؤسسة المباركة على تنظيم هذا اللقاء، وعلى حسن ظنهم ودعوتهم لي. ويشعر الإنسان بالحرج حينما يتحدث أمام أمثالكم، لكن الذي يدفعه للحديث معكم أن يجتهد أن لا يقول إلا ما يعلم، وأنه يخاطب عقلاء أمثالكم، ويشعر أن ما يقوله سيوزن: فمنه ما يقبله الناس، ومنه ما يتحفظون عليه، ومنه ما يرد.
حينما نريد أن نحصر كل الأخطاء التي تقع في تفكيرنا فلن نستطيع أن ندرك ذلك في لقاء عاجل مثل هذا اللقاء، لكني سأشير إلى أبرز الأخطاء.
وبادئ ذي بدء ثمة سؤال مهم، لعلي لا أطيل في الإجابة عليه، وهو: لماذا نحن بحاجة إلى بناء منهج التفكير؟
إن الإنسان يمكن أن يستوعب كماً هائلاً من المعلومات، سواءً النصوص أو الأحكام الشرعية، أو غيرها من المعلومات في أوجه الحياة، فذهن الإنسان يمكن أن يستوعب قدراً لا محدود من الأسماء والأرقام والمعلومات، لكنه يحتاج إلى أن يتعامل معها بطريقة صحيحة، ومن ثم فما لم يملك الإنسان منهجاً سليماً للتفكير، فإنه لن يستطيع توظيفها بطريقة صحيحة، وكثيراً ما نرى في عصرنا أناساً يبهرون من حولهم بما يحفظون ويطلعون عليه من الكم الهائل من المعلومات، لكننا نرى هوة واسعة بين ما يتوصلون إليه من نتائج، وبين مستوى القدرات والإمكانات والمعلومات التي يملكونها، والسبب هو الخلل في طريقة التفكير.
إن برنامج الحاسب الآلي كالموسوعات العلمية على سبيل المثال يحتوي على شقين، الشق الأول هو المعلومات والبيانات المدخلة فيه والمستقاة من المراجع والموسوعات العلمية، والشق الثاني البرنامج الذي يدير هذه المعلومات ويبحث فيها، فوجود الخلل في الشق الثاني سيعوق المستخدم عن الاستفادة المثلى من الكم الهائل من المعلومات المتاحة في البرنامج.
إن الشق الثاني هو أقرب ما يكون إلى منهج التفكير لدى الإنسان والشق الأول المعلومات والخبرات التي يملكها من خلال الحفظ أو البحث والإطلاع.
إن منهج التفكير السليم لن ينقل الإنسان إلى مستوى العصمة، ولن تكون كل الآراء التي يصل إليها صحيحة، فستبقى قضايا كثيرة نسبية، وفيها مجال للاحتمالات والأخذ والعطاء، لكن كلما صار الإنسان يملك منهجاً سليماً في التفكير، فإن هذا سيجعل فرصة وصوله إلى نتائج سليمة أكبر بكثير من غيره ممن لا يملك هذا المنهج.
ومع أهمية التفكير فنحن نعاني من إهمال في الاعتناء به، فمدارسنا لا تعتني بتعليمه للطلاب، إنما تركز على إعطاء معلومات مجردة، وفي قراءتنا وحواراتنا لا نعتني بهذا الجانب، ومن ثم قد نحفظ معلومات وشواهد لكن نوظفها توظيفاً خاطئاً وغير مثمر.
لا أستطيع أن أتحدث في هذه العجالة عن منهجية التفكير، لكن سأشير إلى طائفة من أخطائنا في التفكير، وأحسب أن إثارة هذه القضية تعطينا شعوراً بأهمية الاعتناء ببناء مهارات التفكير في أنفسنا، والاعتناء بها تربوياً في مدارسنا، وفي تعليمنا و تربية أولادنا و تربية هذا الجيل المبارك جيل الصحوة رجالاً ونساءً.
الخطأ الأول: غياب التفكير العلمي
ليست مشكلتنا أننا لا نفكر، لكننا نفكر بعشوائية ودون منهجية منظمة، وقلما نستخدم خطوات التفكير العلمي وهي خطوات معروفة ومحددة يمكن أن يمارسها الإنسان في الخروج من مشكلة شخصية، وفي إقناعه للآخرين، وفي حل مشكلة علمية، بل في أي مجال وميدان من ميادين الحياة.
وخطوات التفكير العلمي تبدأ بتحديد المشكلة أولاً، ثم فرض الفروض والاحتمالات الممكنة، ثم اختبار هذه الفروض، ثم الوصول إلى الحل الذي يمكن أن يفسر هذه الظاهرة، ودعونا نضرب على ذلك أمثلة.
المثال الأول:- لو أن أحد الجالسين في هذه الصالة غلبه النعاس، ولم يستيقظ إلا والصالة مغلقة، فهو بين خيارين: أن يضع يديه على رأسه ويفكر في المواعيد التي ستفوته ويفكر في عمله الوظيفي ماذا سيصنع غداً... إلخ؟. وهذا تفكير عشوائي لن يفيده.
الخيار الثاني: أن يستعرض الاحتمالات الممكنة للخروج، فيفكر تفكيراً علمياً، ما الخيارات التي يمكن أن أصنعها لأخرج من هذا المأزق؟ أني أنام إلى أن يأتي أصحاب الصالة ويفتحونها في الغد. أو أن أبحث عن الأبواب فربما يكون هناك باباً نُسي أن يغلق.أن أكسر الزجاج أو النافذة. أن أتصل على أحد خارج الصالة...إلخ. ثم يقيم كل خيار: الخيار الأول هل أستطيع أن أطبقه أو لا؟ ما هي نتائجه الخيار الثاني ثم الثالث وفي النهاية يصل إلى الحل.
المثال الثاني: ما يمارسه عامل الصيانة في إصلاح السيارة حين ترتفع حرارة المحرك، أنه يقوم باختبار مستوى الماء، مستوى زيت المحرك، مروحة التبريد، السيور..............إلخ.
فهو يمارس أسلوب التفكير العلمي - دون أن يعيه نظرياً - إنه يفترض الفروض ثم يقوم باختبارها ليصل إلى تفسير المشكلة.
خطوات التفكير العلمي لا يمكن أن نمارسها من خلال التعليم النظري بأن نملي على الناس ونقول هذه هي الخطوات: الأولى، الثانية، الثالثة، فما لم يُعَلَّم الطالب وهو في المرحلة الابتدائية أن يطبقها، ما لم يعلم الطفل وهو صغير أن يمارسها في التعامل مع مشكلاته المحدودة إلى أن يصل إلى مستوى أعلى، فإننا لا يمكن أن نتقن هذه المهارات، ونطبقها بطريقة صحيحة.
الخطأ الثاني: التعميم الخاطيء
وهذا كثيراً ما يحدث من الدعاة والوعاظ والخطباء، ودعوني أضرب على ذلك أمثلة.
المثال الأول: قد تقول للناس: الأب المتعلم أكثر قدرة على تربية أولاده تربية سليمة من الأب الأمي، حينها يعترض عليك من يحتج بأن أباً أمياً قد أحسن تربية أولاده، وأنه يعرف عدداً من الآباء المتعلمين لا يحسنون التربية.
إنه قد عمم الصورة التي رآها لدى الأمي، والصورة التي رآها لدى المتعلم، جاهلاً أن نجاح هذا الأمي واستقامة أولاده نتيجة عامل آخر غير عامل الأمية، وأن فشل الآخر نتيجة عامل آخر غير عامل التعليم.
المثال الثاني: كثيراً ما نسمع من يقول أن المتدينين سيئو الخلق، والسبب في ذلك أنه رأى شخصاً متديناً يتصف بذلك، فعمم هذه النتيجة على الآخرين.
إن التعميم له شروط موضوعية لا بد من تحققها، وليس تكرر الصور كافيا في تعميم الأحكام.
الخطأ الثالث: الربط الخاطئ
أحياناً نربط بين ظاهرتين ليس بينهما علاقة وإليك الأمثلة:-
المثال الأول: كنت واقفاً ذات مرة فأتاني شاب غير متدين، فقال لي: أريد أن أسألك سؤالاً، ثم سألني وأجبت، ثم قلت له: ليس كل متدين طالب علم، فالتدين شيء والعلم شيئ آخر-وإن كان الغالب في المتدين أن يكونوا أكثر حرصاً، وأكثر تمسكاً- قال لي: إنك ستكون في الأغلب أعلم مني، ولو لم تعرف فستقول لي: لا أعلم.
الناس يربطون كثيراً بين الأمرين، وهو أمر ليس وليد العصر، ففي حديث الرجل الذي قتل تسعاً وتسعين رجلاً دله الناس على الراهب حين سأل عن أعلم أهل الأرض.
المثال الثاني: طالب متدين فاشل دراسياً، فهل يعني أن هناك صلة بين التدين والفشل الدراسي؟. أو طالب متدين متفوق دراسياً، هل يعني ذلك أن هناك صلة بين التدين و التفوق الدراسي؟.
إنها ظواهر كثيرة يبدو لنا في تفكيرنا العاجل الربط بينها، وافتراض السببية، والواقع أن الصلة محدودة أو معدومة.
الخطأ الرابع: الغلو والتطرف
يرتبط الغلو والتطرف بمحدودية الثقافة ارتباطاًُ وثيقاً، ومن ثم كانت مجتمعاتنا تتسم بقدر منها في التفكير.
ومن صور الغلو والتطرف ما يأتي:
الصورة الأولى: الغلو في الحديث عن حجم الظواهر، وهذه الصورة أكثر ما تحدث لدى الخطباء والوعاظ، فكثيراً ما نسمع هذه العبارة (هذه ظاهرة تنذر بالخطر، هذه مشكلة عظيمة).
إننا نخلط بين خطورة الظاهرة وحجمها، فالظاهرة الخطيرة تستحق التحذير والحديث، لكن ذلك لا يسَوِّغ تضخيم حجمها.
الصورة الثانية: الغلو في الحديث عن الطاعة، فقد نتحدث عن طاعة من الطاعات، فنغلو في الحديث عنها، فقيام الليل على سبيل المثال شأن الصالحين ودأبهم، ورد ذلك في معظم آيات القران التي وصف الله عز وجل فيها المتقين والمؤمنين، لكن لا يمكن أن يتحول قيام الليل إلى فريضة، ولا يمكن أن يكون ترك قيام الليل علامة على عدم الجدية، وقسوة القلب ..إلخ..
نتحدث أحياناً عن بعض النوافل، ونحولها إلى فرائض، بل نجعلها علامة على صدق التدين وعدمه، يأتيك متحدث يقول لك: أن هذا الشاب غير جاد في التزامه لماذا؟. لأنه لا يقوم الليل، ولا يصوم النوافل، ولا يقرأ القران. إذاً هو غير جاد.
إن هذا الأمر لم يوجبه الله على عباده، ولو لقي العبد ربه تبارك وتعالى، وهو لم يقم ليلة واحدة من الليالي، أو لم يصم نافلة، فإنه لن يحاسب ولن يسأل عن ذلك، ولو أننا نحتاج إلى الحث على النوافل، والتأكيد والتربية عليها؛ لتعوض الإنسان ما نقص من فريضته، وتكفر ذنوبه. لكن هذا شيء، والغلو في الحديث عنها، وتحويل السنة إلى واجب شيء آخر.
الصورة الثالثة: الغلو في الحديث عن المعصية:
إن المؤمن يعظم المعصية ويخاف منها، وهو يرى أنها كالجبل يوشك أن يسقط على رأسه لكننا قد نتحدث عن معصية يقع فيها الشباب، فنبالغ في الحديث عنها، ونجعلها سبباً لسوء الخاتمة، وقد تؤدي بالإنسان إلى الوقوع في الانحراف، مع أنها من الصغائر، ولا تصل إلى حد الكبيرة. والله عز وجل يقول: (إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلاً كَرِيماً). سورةالنساءآية31. وفي المقابل قد يتحمس الإنسان ليبعث الرجاء عند الناس، فيقع في الطرف الآخر. خطيب كان يتحدث عن التوبة، فيريد أن يشجع الناس على التوبة. فقال: إن الله عز وجل لم يقل لا تسيئوا، ولكن قال: إذا أسأتم فاستغفروا.
وهل يسوغ أن يأتي متحدث إلى قوم أهل كبائر، فساق وفجَّار؛ ليقول لهم: لو لم تذنبوا لذهب الله بكم، ولحاء بقوم يذنبون؛ فيستغفرون فيغفر الله لهم؟ إنه يحتاج إلى اعتدال فالغلو في تضخيم المعصية لا يسوغ، وكذلك الغلو في التهوين من شأنها.
الصورة الرابعة: الغلو في الحماس للفكرة، فقد يتحمس إنسان لفكرة من الأفكار، فيضخمها ويقيس الناس من خلالها، ويطالبهم أن يتحمسوا لها بقدر حماسه هو لها. هذه الفكرة قد تكون مشروعاً دعوياً، أو باباً من أبواب الدعوة، أو الخير.
من حق هذا المرء أن يفرغ وقته كله وجهده ليكون متخصصاً في ميدان من الميادين، لكن هذا شيء، وأن يطالب كل الناس أن يتحمسوا لفكرته شيء آخر.
الخطأ الخامس: القطع في الظنيات أو الأمور الاحتمالية
هناك أمور ظنية لا يمكن أن نقطع فيها، إلا أننا قد نحولها إلى مسائل قطعية ومن ذلك المسائل الاجتهادية فقد يترجح عند الإنسان فيها رأي معين، لكن ستبقى محل اجتهاد. لا يسوغ أن يصنف فيها كتاب تقرأ رأي المؤلف من عنوانه: القول القاطع، القول الصواب ..إلخ
وكما يحصل الخلل في القطع في الأمور الظنية في باب الأحكام الفقهية فهو يمتد إلى مجالات أخرى في حياتنا.
ففي تفسير الظواهر السياسية والتربوية، وفي الحديث عن المسائل الاجتماعية هناك مجالات واسعة للأخذ والعطاء والاحتمال. وحين يترجح لدى المتحدث رأي فهذا لا يلغي الاحتمال الآخر.
وفي ميادين النقاش نجد تباينا واسعا فهذا يتبنى رأيا والآخر يتبنى الرأي المقابل له والمضاد له، ولو كانت المسالة بهذا القدر من القطع والحزم لما احتملت اختلاف الآراء بهذا القدر من التباين.
إننا بحاجة إلى قدر من النسبية في التعامل مع ما يحتمل الرأي والاجتهاد، فبدلا من الحزم والقطع لنقل إن هذا الرأي صحيح بنسبة سبعين في المائة أو أقل أو أكثر، والمسألة محل نظر وأخذ وعطاء.
الخطأ السادس: المبالغة في التبسيط
هناك ظواهر معقدة نبسطها كثيراً، فنجعلها قضية سهلة، وكثيرا ما يحصل ذلك في الظواهر الاجتماعية.
مثال ذلك: ظاهرة التأخر في الزواج فقد ترى من يقول سبب التأخر في الزواج هو كذا، والحل هو كذا .
والواقع أن هذه الظاهرة معقدة ولها أسباب كثيرة. منها ما يتعلق بنظام التعليم، ومنها ما يتعلق بفرص العمل، وأخرى ترتبط بالنمط الاستهلاكي الذي يعيشه الإنسان، وبالعادات الاجتماعية التي اعتادها الناس في الزواج.
ثم أن الحلول ليست بهذه البساطة، وإلا انحلت مشاكل الناس كلها.
الخطأ السابع: النظرة الأُحادية
كثيراً ما ننظر إلى الأشياء نظرةً أُحادية، فالظاهرة نفسرها تفسيراً واحداً، والحل نختزله في قضية واحدة. دعونا نأخذ الأمثلة على ذلك:-
المثال الأول: حينما نسعى إلى تفسير ظاهرة التأخر في الزواج فإننا نبحث عن سبب واحد يفسر هذه الظاهرة، وهذا سر اختلافنا؛ لأنه يترجح عندي هذا السبب، ويترجح عندك السبب الثاني فنتصارع؛لأننا نريد أن نحسم الحل.
ألا يمكن أن يكون هناك مجموعة أسباب تفسر هذه الظاهرة؟ وأن هذه الأسباب تختلف درجة علاقتها بالظاهرة؟ وكل سبب يفسر لنا جزءاً منها.
مثال آخر: ما يقال في توصيف واقع الأمة: ما هو السبب فيما آلت إليه الأمة الإسلامية؟. شخص يقول لك: هو غياب العلم الشرعي، وأن العلم سيحل لك كل شيء وأنه من خلال العلم سيعرف الناس عقيدتهم والحلال والحرام وما يصلح قلوبهم ويعرفون أعداءهم ويدركون واقعهم.
بينما يقول آخر:العبرة بالإيمان؛ لأن المرء إذا صار عنده إيمان وتقوى فلن يعمل إلا بعلم وسيصلح تعامله مع الناس، وسيقوم بالدعوة وسيطلب العلم.
والنزاع ليس حول أهمية العلم أو الإيمان أو إصلاح النفس، إنما هو في اختزال الأسباب في سبب واحد.
وينشأ عن ذلك أن العلاج عند هؤلاء ليس له إلا سبيل واحد وطريق واحد.
ولو اتسع أفقنا لأدركنا أن الأسباب متعددة ومتداخلة، وفي المقابل فخطوات العلاج هي الأخرى متعددة.
الخطأ الثامن: افتراض خيارين لا ثالث لهما
كثيرا ما نضع أنفسنا أمام خيارين لا ثالث لهما، فإن صح الخيار الأول بطل الثاني، وإن بطل الأول يتعين الثاني.
وهو أسلوب نمارسه في تقويم المواقف والأشخاص فنتأرجح بين القبول المطلق والرفض المطلق، فلو سألت من استمعوا لمحاضرة ما ستجد آراءهم بين مادح بإطلاق، أو قادح بإطلاق.
ومثل ذلك الحكم على الأشخاص والمشروعات الدعوية والعلمية.
ونمارسه في التعامل مع مشكلاتنا فنفترض خيارين لا ثالث لهما، بينما تتطلب كثير من المشكلات أن نقف موقف الوسط بين الخيارين.
الخطأ التاسع: الخلط بين الآراء والحقائق
حين نقرر أن الزواج المبكر يزيد من تحصيل الطالب الدراسي، أو أن الزواج من الأقارب أولى من الأباعد فهذا رأي شخصيا يحتمل الصواب والخطأ.
لكن حين نقرر أن الزواج أولى من العزوبة فهذه حقيقة علمية تسندها الأدلة الشرعية القطعية وأدلة العقل والفطرة.
والآراء تحمل قدرا من النسبية وتخضع للأخذ والعطاء، وقد تستمد قوتها من تخصص صاحبها واهتمامه بموضوع ما، لكن ذلك لا يخرجها من دائرة الآراء إلى دائرة الحقائق.
والخطأ هاهنا ينشأ في الخلط بين الآراء والحقائق، وتحويل الآراء إلى حقائق علمية مقطوع بها.
الخطأ العاشر: التعامل الخاطيء مع الأخبار
ثمة طائفة من الأخطاء تقع في التعامل مع الأخبار ومنها:
1. أولا: الخلط بين الرواية والتقويم
قد يحكي أحد الثقات عن موقف من المواقف، كبلد زارها وقابل أهلها، أو جماعة دعوية التقى بها، أو شخص عاشره وخالطه فنخلط روايته بتقويمه.
قد يقول رأيت الفئة الفلانية تهمش العلم الشرعي ولا تعنى به، ورأيتهم يتساهلون في مواقفهم وآرائهم، ثم يحكي شواهد على ذلك، فيتقبل الناس ما يقوله؛ لأنهم يثقون به، وينسون أن الثقة فيه تستوجب قبول خبره لا رأيه وتقويمه، فالخبر المجرد الذي يرويه يختلف عن الأحكام التي يصدرها على الناس، أو المواقف التي يفهمها بناء على خلفيته.
وقديما فرَّق أهل العلم بين رواية الراوي ورأيه، وردوا رواية أقوام يعتقدون صلاحهم ودينهم.
2. ثانيا: تأثير العاطفة على قبول الخبر ورفضه
في مواقف كثيرة تدعونا عواطفنا إلى قبول طائفة من الأخبار أو رفضها، فيؤثر علينا ذلك في تلقينا للخبر، فنفرح بأي خبر يؤيد ما نحب ونعطيه أكبر من حجمه، ونهمش ما لا يتفق معه ونهون منه.
وأقرب مثال على ذلك أحداث أمريكا وأفغانستان الأخيرة، فثمة كثير يضخمون ما يتفق مع عواطفهم، ويقللون من شأن ما يتعارض معها، وكثيرا ما تواجه حينما تشكك في خبر أو تستغربه بالطعن في ولائك للدين وأهله.
إنه ما يسميه علماء النفس ( تحيز الإثبات) وهو ولع الشخص بالمعلومات التي تؤيد صدق أفكاره الحالية وتتفق معها.
إن من مصلحتنا أن نفهم الأخبار كما هي لا كما نحب ونريد.
الخطأ الحادي عشر: الاعتراض بالمثال
يحرص كثير من الكتاب والمتحدثين على التمثيل على ما يقول، ونظرا لأن المثال أكثر التصاقا بواقع الناس فإن وقعه عليهم أكثر من وقع الحقائق المنطقية.
وقد يورد المتحدث مثالا خاطئا، أو يختلف السامع معه في الحكم على المثال، فينقل سامع ذلك إلى القضية موضع التمثيل.
إن المثال كثيرا ما يأتي استطرادا –خاصة في الحديث المسموع– وقد يستدعيه المتحدث من الذاكرة فلا يحرره ولا يعتني بصحته ومن ثم لا يتسق مع موضوع الحديث.
ومن مظاهر ذلك أن كثيرا من الأسئلة التي توجه للمحاضر أو المتحدث هي حول الأمثلة التي ساقها وينسى السائل ما هو أهم من ذلك كله ألا وهو الفكرة.
وقد فرق أهل العلم في نسبة الأقوال إلى أصحابها بين ما يأتي تمثيلا واستطرادا، وما يأتي تحريرا وتقريراً.
الخطأ الثاني عشر: الغلو في اعتقاد المؤامرة
يُتهم الإسلاميون اليوم بأنهم يغلون في افتراض المؤامرة، وهذا الافتراض له نصيب من الصحة بغض النظر عن درجة هذا الغلو، وعن مقاصد من يتهم الإسلاميين به.
ومما أدى إلى ذلك ما يلي:-
أولاً: وجود المؤامرة بالفعل، وفي كل يوم يكشف لنا التاريخ أن حدثا من الأحداث التي كنا نظنها عفوية كان نتيجة مؤامرة ومكر.
ثانياً: طبيعة العقلية التي تميل إلى التبسيط، فكلما قلت ثقافة الإنسان وخبرته صارت فرص قبوله للتفسيرات العاجلة وغير المعقدة أكثر.
ثالثاً: كثرة حديث الإسلاميين عن الكيد للأمة والتآمر عليها.
إننا لا ننكر وجود المؤامرات، ولا ندعو إلى إهمال الحديث عنها، لكن يجب أن تبقى المؤامرة فرضية واحتمالاً يخضع للبحث والمناقشة.
الخطأ الثالث عشر: افتقاد العلاقة الصحيحة بين الأسباب والنتائج
من سنة الله تعالى أن لكل سبب نتيجة، وأن أمور الناس والمجتمعات تسير وفق سنن ظاهرة واضحة.
والتفكير السليم يقتضي إدراك هذه العلاقة، فلا غنى عنها لتفسير المواقف الفردية والجماعية، ولرسم السياسات والتفكير في المستقبل.
لقد شاع عند طائفة من الناس تفسير فشله في الدراسة أو العلاقة الزوجية بالعين والحسد والسحر ونحو ذلك، وهي حق لاشك فيها، لكن تفسير المواقف المحددة بها قد لا يكون صحيحاً.
ولو عاد هؤلاء إلى واقعهم بموضوعية فسوف يكتشف كثير منهم مصادر الخلل ومكمن الداء.
ومثل ذلك مشروعات التغيير لدى الأفراد والمجتمعات، فهي بحاجة إلى أن يتعامل معها من خلال إدراك سنة الله الكونية في العلاقة بين الأسباب والنتائج.
الخطأ الرابع عشر: تأثير الخبرة الشخصية المحدودة
تؤثر الخبرة الشخصية على الفرد في نظرته إلى كثير من الظواهر والمواقف وحكمه عليها، وكثير من الناس تسيطر عليهم هذه الخبرة والإطار المرجعي فيفتقدون الموضوعية.
إنك حين ترتدي نظارة خضراء فسوف ترى كل ما أمامك أخضر اللون ولو كان غير ذلك، وهكذا فالإطار المرجعي والخبرة الشخصية تسيطر على بعض الناس فينظرون للأمور كلها من خلالها.
لو خرج الناس إلى أرض فسيحة وسألتهم عن انطباعهم فستجد من يقول أنها تصلح أن تكون مسجدا، ومن يقول تصلح أن تكون منتزها، ومن يقول أنها تصلح ملعباً وهكذا.
ولو قام متحدث أمام الناس فستجد من يقول أنه غيور لم يجاوز الحقيقة، ومن يقول أنه مندفع متهور، ومن يخرج وهو لا يدري ماذا قال، إنهم جميعا رأوا موقفا واحدا، والفارق في حكمهم عليه هو اختلاف الإطار المرجعي.
إننا يصعب أن نتخلص من تأثير إطارنا المرجعي، لكن إدراكنا لذلك يقودنا إلى الاعتدال في الثقة بأحكامنا، وإلى الاعتناء بالموضوعية أكثر.