Share |
الفاتيكان .. تجاوزات وتناقضات
الكـاتب : شيماء نعمان
تم قراءة المقال : 89

وعن إساءات البابا وتناقضاته، فالحقيقة أن تجاوزات بنديكت وتناقضاته لا تتوقف عند الإسلام أو رسوله - صلى الله عليه وسلم -، بل تصل في بعض الأحيان إلى مناقضة الذات والانزلاق إلى مخالفة المنطق.

لم تتوقف أبواق الفاتيكان منذ سنوات عن الدفاع عن بابا الفاتيكان المثير للجدل "بنديكت السادس عشر"، الذي طالما أطلق الكلمات المسيئة لدين الإسلام ولشخص النبي الكريم - صلى الله عليه وسلم - سواء في محاضراته أو تصريحاته دون أي سند منطقي أو حقيقي يبرر به أقاويله.

ليس هذا فحسب، بل إن انتقادات الأزهر لدعوات الفاتيكان "بضرورة حماية المسيحيين في مصر" قد قوبلت بحالة من الرفض والاعتراض من جانب بنديكت الذي نقلت عنه وسائل الإعلام قوله: "لم نتدخل، وهناك سوء تفاهم في التواصل".

وكان مجمع البحوث الإسلامية بالأزهر الشريف قد قرر في يناير الماضي تجميد الحوار بين الأزهر والفاتيكان إلى أجل غير مسمى ردًا على إساءات الفاتيكان المتكررة ضد الإسلام ومطالب بابا الفاتيكان بضرورة حماية المسيحيين في مصر بعد حادث تفجير كنيسة "القديسين" بمدينة الإسكندرية المصرية ليلة رأس السنة، ما اعتبره الأزهر تدخلاً في الشأن الداخلي المصري.

وبالرغم مما أعلنه راديو الفاتيكان و جريدة "لا كروا" المقربة منه بشأن رغبة الجانبين (الفاتيكان والأزهر) في عودة الحوار الذي تتم لقاءاته مرتين كل عام، أكد شيخ الأزهر الدكتور في حديث صحفي أن الأزهر "لن يجري حواراً مع الفاتيكان حتى يعتذر بابا الفاتيكان عن الإساءات والتجاوزات التي صدرت منه تجاه العالم الإسلامي"، حيث قال: "لا نقبل إساءات بابا الفاتيكان تجاهنا، ومع ذلك نحن مع الحوار لكن على أساس الاحترام المتبادل والحوار البناء الذي سيكون له آثار طيبة في التقريب بين المسلمين والغرب".

وعلى الرغم من أن "الطيب" كان واحدًا ممن وقّعوا على الخطاب الذي تقدم به 138 من المثقفين المسلمين يطالبون فيه البابا بالحفاظ على الحوار الإسلامي- المسيحي في أعقاب الخلاف الذي أشعلته محاضرة بنديكت في جامعة ريجينسبرج الألمانية في سبتمبر عام 2006، فإن موقفه الأخير من الفاتيكان ربما يساهم في تهدئة حملات الانتقاد الموجهة ضده.

وعن إساءات البابا وتناقضاته، فالحقيقة أن تجاوزات بنديكت وتناقضاته لا تتوقف عند الإسلام أو رسوله - صلى الله عليه وسلم -، بل تصل في بعض الأحيان إلى مناقضة الذات والانزلاق إلى مخالفة المنطق.

وإذا ألقينا الضوء على ما يتعلق بالإساءة إلى رسول الإسلام النبي محمد - صلى الله عليه وسلم -، فربما كان نبينا الكريم من أكثر الشخصيات التي حاول النيل منها المغرضون حتى منذ السنوات الأولى لبعثته.

فقد تعرض للاستهزاء من قبل الجاهلين، كما اتهموه تارة بالسحر وتارة بالكذب، فلم يكن يزيده ذلك إلا علوًا في الهمة وإصرار على تبليغ رسالات ربه دون كلل أو تقصير.

وها هو الدين الإسلامي الآن تتسع رقعته يومًا بعد يوم ليظل حتى قيام الساعة يثبت للعالمين أنه دين سماوي لكل البشر وكل الأزمنة ولو كره الكارهون.

ونعرض فيما يلي نماذج لبعض التجاوزات والتناقضات التي صدرت عن بابا الفاتيكان في محاضرته الشهيرة التي أغضبت العالم الإسلامي، وكذلك من كتابه "نور العالم"؛ بالإضافة إلى رسالته بمناسبة الاحتفال بيوم السلام العالمي.

فبمراجعة نص المحاضرة الفلسفية التي ألقاها "بنديكت السادس عشر" في جامعة ريجينسبورج بولاية بافاريا الألمانية تحت عنوان "الإيمان والعقل والجامعة ذكريات وانعكاسات"، نجد أنه حاول النيل من الإسلام ومن شخصية النبي الأكرم - صلى الله عليه وسلم - كذلك فقد قال: "قرأت منذ فترة وجيزة جزءً من حوار نشره البروفيسير "تيودور خوري"، من جامعة مونستر، جرى بين الإمبراطور البيزنطي العالم "مانويل الثاني" ومثقف فارسي حول المسيحية والإسلام وحقيقة كل منهما خلال إقامته بالمعسكر الشتوي بالقرب من أنقره عام 1391... وبدون أن يتوقف عن التفاصيل، مثل الفرق في معاملة (الإسلام) للمؤمنين وأهل الكتاب والكفار، طرح الإمبراطور على نحو مفاجئ على محاوره، السؤال المركزي بالنسبة لنا عن العلاقة بين الدين والعنف بصورة عامة. فقال: " أرني شيئا جديدًا أتى به محمد، فلن تجد إلا ما هو شرير ولا إنساني، مثل أمره بنشر الدين الذي كان يبشر به بحد السيف".

وهو ولاشك قول ظالم ومتجني بلا شك، فقد أنار محمد - صلى الله عليه وسلم - الطريق للإنسانية جمعاء، وكان منقذا للعالم من سطوة الجهل والتخلف؛ فحين أنارت حضارة الإسلام كان الغرب لا يزال يعيش عصور الظلام واللا إنسانية وسيطرة الكهنة، فمن الذي برأ مريم - عليها السلام -؟ أليس هو القرآن ومنهج الإسلام؟ ومن الذي برأ الرسل الكرام الذين اتهموهم بأنهم أولاد زنا ولصوص؟ أليس هو القرآن الذي أنزله الله على محمد - صلى الله عليه وسلم -؟! كما أن الدعوة الإسلامية تختلف في نهجها عن حملات التنصير أو الإرساليات المسيحية؛ أما اتهام النبي - صلى الله عليه وسلم - بنشر رسالته بحد سيف فهو خطأ جلي، فهل كان لرسول الإسلام أن يخالف أمر الله - عز وجل - الذي قال فيه في سورة النحل: (ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين)، لكن على الجانب الآخر نستطيع أن نقرأ في سفر التثنية: الإصحاح 20 " فاَضْرِبوا كُلَ ذكَرٍ فيها بِحَدِّ السَّيفِ. وأمَّا النِّساءُ والأطفالُ والبَهائِمُ وجميعُ ما في المدينةِ مِنْ غَنيمةٍ، فاَغْنَموها لأنْفُسِكُم وتمَتَّعوا بِغَنيمةِ أعدائِكُمُ التي أعطاكُمُ الرّبُّ إلهُكُم. هكذا تفعَلونَ بجميعِ المُدُنِ البعيدةِ مِنكُم جدُا، التي لا تخصُّ هؤلاءِ الأُمَمَ هُنا. وأمَّا مُدُنُ هؤلاءِ الأُمَمِ التي يُعطيها لكُمُ الرّبُّ إلهُكُم مُلْكًا، فلا تُبقوا أحدًا مِنها حيُا بل تُحَلِّلونَ إبادَتَهُم، وهُمُ الحِثِّيّونَ والأموريُّونَ والكنعانِيُّونَ والفِرِّزيُّونَ والحوِّيُّونَ واليَبوسيُّونَ ".

وفي سفر التثنية: الإصحاح 12: "هذه هي الفرائض و الأحكام التي تحفظون لتعملوها في الأرض التي أعطاك الرب اله آبائك لتمتلكها كل الأيام التي تحيون على الأرض. تخربون جميع الأماكن حيث عبدت الأمم التي ترثونها آلهتها على الجبال الشامخة و على التلال و تحت كل شجرة خضراء و تهدمون مذابحهم و تكسرون أنصابهم و تحرقون سواريهم بالنار و تقطعون تماثيل آلهتهم و تمحون اسمهم من ذلك المكان". وفي سفر حزقيال الإصحاح 9 " اعبروا في المدينة وراءه واضربوا لا تشفق أعينكم ولاتعفوا الشيخ والشاب والعذراء والطفل والنساء اقتلوا للهلاك ولا تقربوا من إنسان عليه السمة وابتدئوا من مقدسي فابتدئوا بالرجال الشيوخ الذين أمام البيت. وقال لهم نجسوا البيت واملأوا الدور قتلى أخرجوا فخرجوا وقتلوا في المدينة"!.. لكننا رغم ذلك لم نقل أن اليهودية والمسيحية قد انتشرا بالسيف، لكننا بحال لا نستطيع أن نغفل الحروب الصليبية القديمة التي راح فيها الآلاف بكل وحشية، وكذلك الحروب الصليبية الحديثة التي تعرضت لها العراق وأفغانستان وقتل آلاف الأطفال وتشرد الملايين.

يقول المفكر الغربي ناعوم تشومسكي في كتابه (الغزو مستمر) " غزو الأوربيين للعالم أسفر عن كارثتين لا مثيل لهما في التاريخ: "هلاك السكان الأصليين في نصف الكرة الغربي وخراب أفريقيا حيث تجارة الرقيق سريعاً والسبب في نجاح حملات الأوربيين هو تمكن أوروبا من ثقافة العنف وانغماسها فيها".

وقد ادعى بنديكت في المحاضرة نفسها أن العقيدة في الإسلام تقوم على أساس أن إرادة الله لا تخضع لمحاكمة العقل أو المنطق؛ وهو ما رد عليه علماء الإسلام ومنهم الدكتور القرضاوي بقوله: أن "أن الإسلام لم ينتصر بالسيف بل انتصر على السيف الذي سلط عليه منذ البداية". وأنه " دين يمجد العقل والتفكير ودين جاء بالمزج بين الدنيا والآخرة وبين الروح والمادة".

أما عن كتاب "نور العالم" لبنديكت، وهو الكتاب الذي كان محاولة لتحسين صورة البابا، كما أنه حظي بشهرة واسعة. ومن بين تجاوزات بنديكت فيه كان قوله: "أثناء زيارتي لتركيا، أمكنني أن أوضّح أنني أعترف بالإسلام كواقع ديني كبير يجب أن نكون على حوار معه".

فقد اعتبر الإسلام مجرد "واقع ديني" ينبغي التعايش معه، مخرجًا الدين الإسلامي العظيم من وضعه وموقعه كديانة سماوية يعتنقها أكثر من مليار شخص في العالم. كما أنه الدين السماوي الأكثر انتشارًا.

وتحت عنوان "الحرية الدينية، درب للسلام" قال بابا الفاتيكان في رسالته الخاصة لمناسبة الاحتفال بيوم السلام العالمي: "المسيحيون - في الدول الإسلامية - يتألمون اليوم أكثر من غيرهم من جراء الاضطهاد بدافع إيمانهم إذ يتعرض كثيرون يوميًا إلى الإهانات ويعيشون وسط مخاوف بسبب بحثهم عن الحقيقة وإيمانهم بيسوع المسيح ونداءاتهم للإقرار بالحرية الدينية".

والحقيقة أن التعصب والتشدد قد يكون سمة واضحة وخاصة بين مسيحي الشرق الأوسط، وهو ما كان الكاردينال" روجر مايكل ماهوني"- رئيس أساقفة لوس أنجلوس بالولايات المتحدة الأمريكية- قد شهد به حين قال في إحدى خطبه: "غالبًا ما يأتي مسيحيّو الشرق إلى أمريكا الشماليّة مع أفكارٍ ومواقف تجاه الإسلام واليهود لا تتماشى مع الإنجيل أو مع الخطوات التي وضعناها في العلاقات الكنسيّة أو مع باقي الأديان. "

لقد استطاع الدين الإسلامي أن يتعايش ويبقى منارة للهدى على مر العصور وعلى اختلاف المراحل والفترات التي مر بها، فقد تعايش المسلمون مع جيرانهم من غير المسلمين سواء في بداية البعثة المحمدية أو حتى في أوج ازدهار الحضارة الإسلامية وحتى في العصور التي أعقبت انهيار الإمبراطورية الإسلامية؛ ولكن يظل دائمًا من يشعل فتيل الأزمة بين الأديان هم فريق التشدد والتعصب ممن لا يعرفون معنى التسامح وقبول الآخر.

وبنظرة أخرى إلى الجانب الآخر سنجد بنديكت له شأن آخر مع اليهود وقادتهم، فهو يلتقي يوم 12 يناير 2011 في الفاتيكان، بوفد يهودى من الحاخامات، قادمين من إسرائيل برئاسة الحاخام ريسكين بهدف تفعيل العلاقات بين المسيحية واليهودية. وكان هدف هذا اللقاء التوصل إلى حلولٍ في مواجهة التوترات المتصاعدة مع الإسلاميين.. بحسب ما أعلن الحاخام.

وريسكين انتهز هذه الفرصة ليطلع البابا حول كافة الأعمال التي تمت في إسرائيل في الشهور الأخيرة. ويبدو أن البابا وريسكين يلتقيان بانتظام لوضع ترتيبات الإستراتيجيات اللازمة لتنمية العلاقات بين المؤسستين!.

وقد أوضح ريسكين موقف الإسرائيليين قائلا: "نحن نقف بجوارك، بجوار قداستك، ونحن متضامنون كليةً مع إخواننا وأخواتنا المسيحيين في إسرائيل وفى كل منطقة في العالم. كما أننا نترافع عنكم".

وأجابه البابا: "بفضل هذا العمل وحده، حيث نجمع إيمانَيْنا معا في إله المحبة، والرحمة، والأخلاقيات والسلام، ستكون لنا قوة أكبر من قوات الجهاد ".

ووفقا للحاخام ريسكين، فإن البابا بنديكت قد هنأ عمل المنظمة ثم أضاف: " نحن بحاجة إلى العمل معاً. أكثر من ذلك. وأكثر بكثير ".

ثم أعلن المدير التنفيذي لمركز الصداقة اليهودية - المسيحية قائلا: "أنه من واجبنا ومن واجب اليهودية وبالتالي من واجب إسرائيل أن نستمر في الالتزام بالقرار الإنجيلى القائل: ستحب الغريب في بلدك". والمقصود بالغريب هنا هم المسيحيون الموجودين في أرض فلسطين المحتلة.

إن الفاتيكان يتعامل بعدة أوجه فهو يعلن عن أن اليهود معفوون من التبشير بالمسيحية وأنهم ليسوا بحاجة للخلاص فهم الإخوة السابقون في الإيمان!. وهو من جهة أخرى يعلن عن مواصلة الحوار مع المسلمين لكسب الوقت والحصول على تنازلات كبيرة

فهناك أعمال يقوم بها اليهود بالاتفاق مع الفاتيكان أو تحت إشرافه؛ و البابا والحاخامات يلتقون لإعداد إستراتيجيات للتصدي للفكرة الإسلامية

كما أن اليهود يساندون البابا والمسيحيين وهذا التعاون ولاشك سيكون على كيفية إضعاف الإسلام والمسلمين.

على جانب ثالث يحاول أن يقوم بتحريك العالم الغربي المتعصب للتدخل في البلدان الإسلامية وخاصة في مصر بدعوى حماية المسيحيين هناك

وإذا تذكرنا كلمات ذلك البابا عند استلامه أوراق اعتماد سفير إسرائيل في الفاتيكان، يوم 13 مايو 2008، وقوله: "و مرة أخرى أقدم أفضل التهاني بمناسبة الاحتفال بمرور ستين عاما على دولة إسرائيل، والكرسي الرسولي ينضم إليكم ليشكر الرب على تحقيقه تطلعات الشعب اليهودي ليكون له مكاناً في أرض أبائه والكرسي الرسولي يعترف بالاحتياجات الشرعية لأمن إسرائيل وللدفاع عنها، ويدين بشدة كل أشكال معاداة السامية "،

كذلك ما قاله البابا في حفل ختام سينودس أساقفة الشرق الأوسط، في أكتوبر 2010، "خلال كل أعمال السينودس فإن كل ما تم التأكيد عليه هو ضرورة إهداء الإنجيل مرة أخرى لكل الذين لا يعرفونه جيداً أو لمنهم بعيدا عن الكنيسة. وإن أكثر ما تمت الإشارة إليه هي ضرورة عملية تبشير جديدة خاصة في الشرق الأوسط إذا تذكرنا ذلك سنعرف الموقف وتتضح لنا الرؤية

 ولنا أن نعرف أن جهوده قد أدت إلى أن تم إدراج موضوع " مسيحيو الشرق الأوسط " في برنامج عمل البرلمان الأوروبي، في جلسته الإعدادية يوم 18 يناير 2011!.

Image CAPTCHA
Enter the characters shown in the image.