Share |
الغلظة والشدة
الكـاتب :
تم قراءة المقال : 516

إن النفس التي تستقيم على شرع الله لن تتقبل أي خطأ أو تقصير يحيد عن هذا الشرع الذي استقامت عليه، وستغار على حرمات الله إن انتهكت، فالغيرة الصادقة هي التي تنهض بصاحبها إلى مكافحة المبطل أو المفسد وتقويم عوجه في تثبيت وحزم، وهي التي تبعث الرجل على الجهاد في الحق بأي وسيلة استطاعها.

إن الغيرة على الحق والمصلحة ما غلبت على نفوس الأمة إلا استقامت سيرتها وعلت في الأمم سمعتها وحسنت في كلا الحياتين عاقبتها، ولكن لهذه الغيرة ضوابط وآداب يجدر بالداعية الأخذ بها واتباعها؛ حتى لا تنقلب إلى شدة وغلظة تؤدي إلى نتائج عكس التي أرادها الداعية.

جاء جماعة من اليهود فدخلوا على الرسول محمد صلى الله عليه وسلم فقالوا: السام عليك يا محمد. يعنون الموت.. وليس مرادهم السلام، فسمعتهم عائشة رضي الله عنها فقالت: عليكم السام واللعنة. وفي لفظ آخر: لعنكم الله وغضب عليكم. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: مهلاً يا عائشة.. إن الله رفيق يحب الرفق في الأمر كله. قالت: ألم تسمع ما قالوا؟ قال: ألم تسمعي ما قلت لهم؟ قلت لهم: وعليكم، فإنه يستجاب لنا فيهم ولا يستجاب لهم فينا. (رواه مسلم).

فلا شك أن الشدة التي صدرت من أم المؤمنين عائشة كان أصلها الغيرة على دين الله، ولكن الرسول صلى الله عليه وسلم بيّن التوجيهات التربوية التي تضع الغيرة في موضعها الصحيح، فبيّن لها أنه رد الدعوة عليهم، ولكن برفق ولين ودون انفعال، بل وبثقة في أن دعائنا عليهم يستجاب ودعائهم علينا لا يستجاب. وهذه بعض النقاط التي يجدر بالداعية الالتفات لها:

* أن الغيرة على المساس بشرائع الله أمر جيد وشعور حميد يجب تنميته وعدم كبته أو تصريفه، ولكن يجب أن لا تؤدي هذه الغيرة إلى الغلظة في التعامل؛ لأن الله سبحانه وتعالى يقول: ولو كنت فظاً غليظ القلب لانفضوا من حولك.

* أن الله جعل الغلظة مطلوبة على الكفار في حال القتال، قال تعالى: وليجدوا فيكم غلظة.

* أن الهدف تصحيح الخطأ وتصويبه وليس النقمة على الشخص.

* يجب أن يستمع الداعية لوجهة نظر المخطئ، ويعرف ما الذي دفعه لارتكاب الخطأ، هل هو الجهل أم عدم وضوح الدليل أم شهوة وتزيين من الشيطان... إلخ هذه هي الأسباب، ثم يبدي حكم الشرع برفق ولين، فالمفترض أن يستمع الداعية للمخطئ حتى يستطيع تصويبه وتقويمه، ويعرف المدخل المناسب لـه، وليس المقصود أن يستمع المخطئ لوجهة نظر الداعية فقط.. بطريقة جافة تخلو من الشعور بالأخوة والخوف على الآخرين.

* الناس اليوم بين إفراط وتفريط، فإما شخص يعطي الأوامر دون روح الشفقة والمحبة فينفر الناس منه، أو بين تارك لفضيلة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر .

* أن اللين المطلوب يكون في الأسلوب والطريقة؛ لأن بعض الدعاة نجد أنه قد لان في دين الله بحجة اللين والرفق، فاتسعت دائرة الحلال عنده، وضاقت دائرة الحرام؛ حتى قلت غيرته على محارم الله، وقد بينا سابقاً أن الغيرة فضيلة مطلوبة ومقصودة، ولا تعارض بينها وبين الدعوة بالحكمة والموعظة الحسنة.

Image CAPTCHA
Enter the characters shown in the image.